تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
في الأصل بمعنى طرح وخلى ، وله مفعول واحد فضمن معنى صير فجرى مجرى أفعال القلوب كقوله :
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
وقول الشاعر :
* فتركته جزر السباع ينشنه *
شرح
الشيء ، وإلقاؤه كما يقال ترك العصا من يده أي رماها أو تخليته ، وإن لم يكن في يده سواء كان محسوسا أو غيره كما يقال ترك وطنه وترك دينه ، وقال الراغب : ترك الشيء رفضه قصدا واختيارا أو قهرا واضطرارا ، وفي المصباح تركت المنزل تركا رحلت عنه ، وتركت الرجل فارقته ، ثم استعير في المعاني فقيل ترك حقه إذا أسقطه ، وهذا لا كلام فيه وإنما الكلام في كونه من النواسخ الناصبة للمبتدأ والخبر بمعنى صير فذكر ابن مالك في التسهيل أنه من معانيه الوضعية ، وأنه حينئذ ينصب مفعولين وعلى الأوّل ينصب مفعولا واحدا ، وظاهر قول المصنّف رحمه اللّه تعالى تبعا للزمخشري إنه ضمن معنى صيرانه استعمال طارئ عليه غير وضعيّ ، ويجوز أن يكون وضعيا لأنهم يطلقون التضمن على جزء المعنى الوضعي كما في عرف أهل الميزان فيقولون من تضمنت معنى الاستفهام ، وكلامهم هنا يوهم أنّ الآية مقصورة على المعنى الثاني دون الأوّل ، وفي أمالي ابن الحاجب إنه من القبيل الأوّل وهم مفعولهفِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ[ سورة البقرة ، الآية : 17 ] حالان مترادفان من المفعول وقيل إنهم يجوّزونه أيضا وإنما تركوه لظهوره وعلى ما ذكرهم مفعوله الأوّل والثاني في ظلمات ولا يبصرون صفة أو حال من الضمير المستتر فيه ، أو من هم أو خبر بعد خبر أو هي حال مؤكدة لا خبر وفي ظلمات حال لأنّ الأصل في الخبر أن لا يكون مؤكدا وإن جوّزه بعضهم فتأمّل . قوله : ( فتركته إلخ ) هو من قصيدة عنترة المشهورة وهي من المعلقات السبع وأوّلها :يا دار عبلة بالجواء تكلمي * وعمي صباحا دار عبلة واسلميومنها في صفة بطل نازله :فشككت بالرمح الطويل ثيابه * ليس الكريم على القنا بمحرّمفتركته جزر السباع ينشنه * ما بين قلة رأسه والمعصمومسك سابغة هتكت فروجها * بالسيف عن حامي الحقيقة معلمإلى آخر القصيدة ، وهي طويلة فما ذكر صدر بيت منها عجزه ما ذكرناه وروي : يقضمن حسن بنانه والمعصم وضمير الغائب للبطل المدجج السابق ذكره في القصيدة ، وتركته بالإسناد لضمير المتكلم وروي تركنه بالنون والضمير للنساء أو للقنا وجزر بفتح الجيم وسكون الزاي المعجمة ، وبعدها راء مهملة كما ضبطه شرّاح المعلقات فعل بمعنى مفعول ، ويقال لما تأكله السباع جزر السباع لأنها تجزره أي تذبحه بأنيابها ، ويقال أجزرت فلانا شاة إذا أعطيتها له كلها هذا ما يعتمد عليه هنا ، وقيل جزير بضم فسكون أو بضمتين جمع جزرة ، وهي شاة معدّة للذبح والنوش التناول بسهولة والقضم بالقاف والضاد المعجمة الأكل بمقدّم الأسنان ، وعليه