ذهب السلطان بماله إذا أخذه ، وأمسكه وما أخذه اللّه فلا مرسل له من بعده ولذلك عدل عن الضوء الذي هو مقتضي اللفظ ، إلى النور فإنه لو قيل ، ذهب اللّه بضوئهم احتمل ذهابه بما في الضوء من الزيادة ، وبقاء ما يسمى نورا والغرض إزالة النور عنهم رأسا ألا ترى كيف
شرح
فقد عرفت حاله فتدبر . قوله : ( ولذلك عدل عن الضوء إلخ ) أي لقصد المبالغة عدل عن الضوء مع أنه مقتضى الظاهر المطابق له لقوله أضاءت ، وهذا بناء على أنّ الضوء أقوى من النور لقوله تعالىجَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً[ سورة يونس ، الآية : 5 ] والإذهاب والإزالة نفي معنى ونفي الأشدّ لا يفيد نفي ما دونه بل ربما يشعر بثبوته ، وأعترض عليه بأنّ إطلاق النور على اللّه تعالى دون الضوء ينافيه ، وإن كان مجازا بمعنى الهادي ، وبأنّ أهل اللغة سوّوا بينهما .
وفي الكشاف : والنار جوهر لطيف مضيء حار محرق ، والنور ضوءها وفي الكشف إنّ فيه توسعا لما سيذكره من أنه أدنى من الضوء لكنه شائع في عرف الاستعمال كما أخذ أصل التفاوت من استعمال البلغاء لا أصل الوضع من نحو جعل الشمس ضياء إلخ وقولهم أضوأ من الشمس ، وأنور من البدر ذكره في الأساس ، والتحقيق أنّ الضوء فرع النور يقع على الشعاع المنبسط لا أنهما واحد كما نقل عن ابن السكيت ، ولهذا يقع على الذوات الجوهرية بخلاف الضوء والأبصار بالفعل بمدخلية الضوء فجاءت المبالغة من هذا الوجه ، ولهذا كان جعل الشمس سراجا أبلغ من جعل القمر نورا ، فافهم ، ولا تلتفت إلى ما نقل من اعتراض صاحب الفلك الدائر ولا إلى جوابه ، فقد تبين لك القشر من لبابه ، اه .
وقال قدّس سرّه : إطلاق كل واحد من الضوء والنور على الآخر مشهور فيما بين الجمهور ، فلا ينافي الفرق المأخوذ من استعمال البلغاء على ما ذكره ولا المأخوذ من اصطلاح الحكماء وهو أنّ الضوء ما يكون للشيء من ذاته ، والنور ما يكون من غيره .
( أقول ) ما ذكره قدّس سرّه يقتضي أنّ كلا منهما يطلق على ما يطلق عليه الآخر فهما كالمترادفين ، والفرق إنما نشأ من الاستعمال أو الاصطلاح لا من أصل الوضع واللغة فكأنه لم يرتض ما في الكشف لأنّ محصله أنّ الضوء أقوى من النور في عرف الاستعمال ، والتفاوت بينهما من عرف اللغة والاستعمال ، وليس بوضعيّ فإنهما في أصل الوضع متغايران إذ النور أصل والضوء شعاعه وفرعه ، ولذا كان النور يطلق على الذوات المجرّدة دون الضوء والضياء ، وأنّ الإبصار لما كان بواسطة الشعاع المنتشر كان بهذا الاعتبار أقوى من النور في المعنى المقصود منه ، وهو الإظهار لأن النور هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره ، وكأنه لم يرتضه لمخالفته لما تقرر في الحكمة والكلام على ما فصل في شرح المقاصد ، إلّا أنّ المحققين من أهل اللغة ارتضوه ، وقالوا : إنه الموافق لاستعمال العرب العرباء فإنهم يضيفون الضياء للنور ، ويسندونه له فيقولون ضياء النور ، وأضاء النور كما قال ورقة بن نوفل :ويظهر في البلاد ضياء نور