قرّر ذلك وأكده بقوله :
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
فذكر الظلمة التي هي عدم النور
شرح
وقال العباس رضي اللّه عنه :وأنت لما ظهرت أشرقت الأرض * وضاءت بنورك الأفقوهو المذكور في الأساس ، وقال العلامة السهيلي في الروض الأنف إنه هو الحق عند من يعرف اللغة والاستعمال فقال : بعدما أنشدناه من الشعر ، وهذا يوضح لك معنى النور ، ومعنى الضياء وأنّ الضياء هو المنتشر عن النور وأنّ النور هو الأصل للضوء ومنه مبدؤه وعنه يصدر وفي التنزيل فلما أضاءت ما حوله وفيه جعل الشمس ضياء والقمر نورا لأنّ نور القمر لا ينتشر عنه من الضياء ما ينتشر من الشمس لا سيما في طرفي الشهر ، وفي الصحيح « الصلاة نور والصبر ضياء » « 1 » وذلك أنّ الصلاة هي عمود الإسلام ، وهي ذكر وقرآن ، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر فالصبر عن المنكرات ، والصبر على الطاعات هو الضياء الصادر عن هذا النور الذي هو القرآن ، وفي أسماء البارئ تعالى نور السماوات والأرض ولا يجوز أن يكون الضياء من أسمائه سبحانه ، اه وهذا كله يقتضي أنّ أصل مسمى النور ، وحقيقته جسم نورانيّ فإنا إذا أوقدنا حطبا وفتيلا مثلا فالجسم المحترق جمر وفتيل ، ويتصل به جور آخر جسمانيّ لطيف قابل لأشكال مختلفة مركب من هواء مزاجه أبخرة وأجزاء لطيفة ، وهذا هو النور فإن أطلق على غيره فتجوّز وتسمح معروف في اللغة صار حقيقة عرفية فيه ، ويتفرّع على هذا أشعة منبثة متباعدة عنه وهي كيفية ، وعرض للهواء وذهب بعض الحكماء إلى أنه أجرام صغار منتشرة فإن عنى أنّ هذا مسمى النور الذي ذكر آنفا فليس بعيدا عن الصواب ، والفرق حينئذ بين النور والنار مما يعرفه أولو الأبصار ، ومن هنا عرفت وجه تسمية الرب الغفور بالنور فإن فهمت فهونُورٌ عَلى نُورٍ[ سورة النور ، الآية : 35 ] فاحفظه فإنه يستحق أن يكتب بالتبر على خدود الحور .
قوله : ( فذكر الظلمة إلخ ) يعني أنّ ذكر الظلمة المؤكدة لذهاب النور ، يقتضي أيضا أنّ هذه الجملة مؤكدة لما قبلها كما هو مقتضى المقام إلّا أنه قيل عليه إنه حينئذ لا وجه للوصل فيحتاج دفعه إلى جعل الواو للحال بتقدير قد أي ، وقد تركهم فالحال حال مؤكدة وفي بعض الحواشي إنّ المصنّف رحمه اللّه يعني أنّ المراد إزالة النور بالكلية ، فإنّ قوله : وتركهم معطوف على قولهذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْوالعطف قد يكون للتفسير والتقرير ، وفيه إشارة لدفع ما ذكر لكنه مخالف لما في كتب المعاني فإنّ المسطور فيها ما ذكره المعترض فالذي ينبغي أن يقال إنّ هذا لكونه أوكد واو في بأداء المراد جعل بمنزلة شيء آخر مغاير لما قبله كما قرّره الفاضل المحقّق في المطوّل في قوله تعالىيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ[ سورة البقرة ، الآية : 49 ] كما سيأتي بيانه ، وأمّا ما أجاب به المعترض فليس بصحيح لفظا ومعنى ، أمّا الأوّل فلما فيه من إيهام خلاف المراد لتبادر
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 223 والترمذي 3517 وأحمد 5 / 342 و 343 وابن حبان 844 من حديث أبي مالك الأشعري بأتم منه وصدره : « الطهور شطر الإيمان . . . » .