ولذلك عدى الفعل بالباء دون الهمزة لما فيها من معنى الاستصحاب والإستمساك يقال
شرح
وأما إذا أطفئت بأمر سماوي كريح هبت بقدرة اللّه تعالى فهو الفاعل ، والريح آلة كالسكين للقاطع ، وإذا قصد المبالغة التي سنقرّرها فهو محتمل للحقيقة ، والمجاز بناء على تفسير النار فكلام المصنّف مخالف لما في الكشاف من وجوه فمن طبقه عليه ، وقال في تقريره إنه يشير إلى أنه على تقدير رجوع الضمير للمنافقين حقيقة بلا خفاء ، وعلى رجوعه للذي استوقد فلا يخلو من أن يكون حقيقة أو مجازا ، وعلى الثاني إمّا أن يعتبر له فاعل حقيقيّ لو أسند إليه كان حقيقة ، وقد نقل عنه إلى الفاعل الجازي أولا وعلى الأوّل إمّا أن يكون الفاعل مجهولا أو معلوما فأشار إلى الأوّل بقوله لأنّ الكل إلخ ، وإلى الثاني بقوله أو لأنّ الإطفاء حصل بسبب خفيّ ، وإلى الثالث بقوله أو أمر سماويّ إلخ وإلى الرابع بقوله أو للمبالغة كأقدمني حق لي عليك فقد ألزمه بما لا يلتزمه وفسر كلامه بما لا يحتمله ، وبما عرفت من تفسير السبب الخفيّ عرفت سقوط ما قيل عليه من أنه تعالى لا يخفى عليه شيء إلى آخر ما أطال به من غير طائل ، وقد بقي هنا أمور يضيق عنها نطاق البيان . قوله : ( ولذلك عدي الفعل بالباء دون الهمزة إلخ ) أي الباء والهمزة للتعدية إلّا أنّ الباء لما فيها من معنى الإلصاق والمصاحبة أبلغ من الهمزة ، ولذلك عدي بها هنا والفرق بينهما مذهب المبرد وارتضاه كثير من المحققين وفي المثل السائر كل من ذهب بشيء فقد أذهبه ، وليس كل من أذهب شيئا ذهب به لأنه يفهم من ذهب به أنه استصحبه معه وأمسكه عن الرجوع إلى حاله الأولى ، وليس كذلك أذهب ، وارتضاه أبو حيان ، واستدل عليه بأمور مفصلة في محلها ردا وقبولا ، وذهب سيبويه إلى أنهما بمعنى وتبعه أكثر النحاة ، واستدل بهذه الآية لأنه تعالى لا يتصف بالذهاب فمعناه أذهبه لا غير ، ودفع بأنه مجاز هنا عن شدّة الأخذ بحيث لا يرد كما في قولهم ذهب السلطان بماله فإنه مجاز عن المعنى المذكور بذكر الملزوم ، وإرادة اللازم فإنّ السلطان لم يذهب ، ولم يجعل المال ذاهبا وإنما أخذه وأمسكه ، فإن قلت هذا الفرق بين تعدية الباء ، والهمزة هل هو مخصوص بهذه المادّة أم لا وعلى ك تقدير كيف يقال إنّ المبالغة جاءت من الإلصاق ، والمصاحبة وهو معنى آخر للباء غير التعدية مع أنّ كثيرا من النحاة ذهب إلى أنّ باء المصاحبة مع مجرورها كجاء بثياب السفر ظرف مستقرّ أبدا ، وهو مضاف لما ذكر قلت من النحاة من قال : إنه لا يختص بمادّة ، وليس المراد بالاستصحاب المصاحبة التي يعبر عنها بمع بل الملازمة ، وعدم الإنفكاك كما أشار إليه المصنّف بعطف الاستمساك بمعنى الإمساك عليه عطفا تفسيريا وقد نقل أهل اللغة عن ابن فارس أنّ كل شيء لازم شيئا فقد استصحبه ومنه الاستصحاب عند أهل الأصول لعدم انفكاكه عما كان عليه ، والذهاب بمعنى المضيّ ، ويستعمل في الأعيان والمعاني كقوله تعالىإِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي[ سورة الصافات ، الآية : 99 ] وقوله تعالىفَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ[ سورة هود ، الآية : 74 ] وكون المبالغة هنا من إسناد الذهاب إلى اللّه بمعنى الأخذ والإمساك ، وهو القويّ العزيز الذي لا رادّ لما أخذه ولا مرسل لما أمسكه ظاهر أمّا كونه من قبيل أقدمي حق لي