الكل بفعله أو لأنّ الإطفاء حصل بسبب خفيّ ، أو أمر سماوي كريح أو مطر أو للمبالغة
شرح
نار لا يرضاها اللّه ، وإطفاؤها ليس قبيحا ، وسواء كانت النار مجازية أو حقيقية فالإسناد حقيقيّ ، فإن قيل المنافق مستوقد نار الفتنة والعداوة مع ما ذكر من الإضاءة فلا معنى للتشبيه ، قيل : هذا المستوقد أعمّ وقيل : إنه لا حاجة في توجه السؤال إلى أنّ ذلك الإذهاب قبيح مانع من صحة الإسناد عنده بل يتجه بمجرّد أنّ الإذهاب عادة يقع بالأسباب بل قبحه على رأي المعتزلة محل مناقشة إلّا أنّ تقريره للجواب الأخير يشعر باعتبار القبح في السؤال ، والأظهر في الجواب أن يقال لا حاجة في تمثيل حال المنافقين إلى تحقق الإذهاب من اللّه تعالى لنورهم إذ يكفي فيه الفرض والتقدير ، وعدم رضا اللّه تعالى بإستيقاد النار لا يلائم التمثيل ، والحق في الجواب عن اعتبار التشبيه في نار الفتنة أنهم لم يوقدوا نار الفتنة بتهييج الحروب إذ لم يفعلوا ذلك وإنما صدر منهم ما يؤدّي إليه كما مرّ في تفسير قوله تعالىوَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُواوأمّا الجواب بأنّ المستوقد أعمّ من المنافقين ففيه إنه لا يحسن تشبيه الخاص بالعام إلّا أن يراد بالأعم الخاص الآخر المقابل للمشبه .
( أقول ) هذا ما في الكشاف ، وشروحه ومراده بالتجوّز في النار أنه استعارة تصريحية حيث شبه تهييج الفتن والحروب بإستيقاد النار تشبيه معقول بمحسوس بجامع عقليّ ، وهو الإصرار بما يصادفه وأثبت له ما يخصه ، وهو الإيقاد ففي الكلام استعارة في تشبيه ، وهو من أبلغ ما يكون ، وذكر المجاز وإرادة الاستعارة غير مستبعد ، ثم إنهم اتفقوا على أن توجيه الإسناد في الكشاف مبني على جعل جملة ذهب جوابا للما والضمير للمستوقد ، وإنه على الأوّل مجاز في الإسناد لا حقيقة له بناء على ما قاله عبد القاهر ، والشريف لم يعرج على هذا نفيا وإثباتا ، فكأنه ليس عنده ثلج صدر منه ، ووجهه إنه إذا لم يكن فعل اللّه والريح ونحوه ليس بفاعل مختار وإنما هو سبب عادي لم يكن له فاعل حقيقي ، وقد جوّز أهل المعاني مثله وهو كلام حسن ، وما ذكره قدّس سرّه من تشبيه الخاص بالعام لا وجه له ، والمعروف عكسه وهو نوع من التشبيه يسمى التمثيل كما تقول الجمل الفعلية كقام زيد ، ولو عكسته كان عبثا ، وقد صرّح به أهل المعاني ، وأمّا ما ذكره المصنّف رحمه اللّه فالظاهر أنه توجيه للإسناد على الوجوه كلها سواء رجع الضمير إلى المستوقد أو إلى المنافقين ، وقوله كريح ومطر إلخ ناظر إلى عوده على المستوقد ، وهو مقابل للسبب الخفيّ وما يحصل بأسباب سماوية يسند إلى اللّه تعالى عادة والسبب الخفيّ يعتبر بحسبه ، وهو ناظر إلى عود الضمير للمنافقين كما أشار إليه هنا بعض المتأخرين رحمه اللّه ، فقوله لأنّ الكل بفعل اللّه بناء على مذهب أهل السنة من أنه الفاعل لكل شيء حسنا كان أو قبيحا ولا قبح فيما صدر عنه سبحانه ، وفعل الإطفاء إن كان بدون سبب عاديّ ، فهو من اللّه وإسناده إليه حقيقة على هذا ، وخفاؤه بالنسبة إلينا لعدم إطلاعنا عليه فإذا كان من أحوال المستوقد المشبه به فهو أمر فرضيّ لغير فاعل معين ترى ناره ، ويدري ما يطفئها فأسند إلى الفعال المطلق الذي بيده التصرّف في الأمور كلها ، والظاهر أنه حقيقة على هذا أيضا