والضمير على الوجهين للمنافقين ، والجواب محذوف كما في قوله تعالى :
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ
[ سورة يوسف ، الآية : 15 ] للإيجا وأمن الإلباس ، وإسناد الإذهاب إلى اللّه تعالى ، أما لأنّ
شرح
فسقط اعتراض صاحب الكشف السابق على ما في الكشاف ، وقد قدّمنا لك أيضا ما زعمه أبو حيان في ردّ البدلية من أنّ الفعلية لا تبدل من الاسمية اتفاقا ، وقيل إنّ الجملة الأولى لا محل لها والبدل تابع معرب بإعراب سابقه فلا تصح البدلية ، ورد ما ذكره رواية ودراية من غير حاجة إلى الالتجاء إلى أنّ المراد بالبدل هنا ليس هو البدل النحوي بل أن تكون الجملة الثانية مفسرة ، وموضحة للأولى قائمة مقامها في الجملة فتحصل لك في البدل احتمالات أربعة . قوله : ( والضمير على الوجهين للمنافقين ) أي على أنه استئناف أو بدل وجواب لما محذوف وتقديره إنطفأت أو خمدت وقد مرّ بيانه وشرح ما ذكره المصنّف هنا من المجوّز والمرجح ، ووجه عدوله عما في الكشاف من الإستطالة إلى الإيجاز والاعتراض عليه بأن تبادر الجوابية من جملة ذهب إلخ موقع في الإلباس ، حتى قال أبو حيان أنه الغاز وهو مدفوع بأنّ ضمير الجمع قرينة على أنه راجع للمنافقين المشبه وهو يقتضي أن لا يكون جوابا ، فإن قلت إن سلم هذا اقتضى أن لا يصح كونه جوابا ، وهو لأرجح عند المصنّف رحمه اللّه ، قلت القرينة لا يلزم أن تكون قطعية ولذا تراهم يجوزون تقادير مختلفة في تركيب واحد من غير نكير ، ولذا قالوا في نكتة الحذف هنا أنها إيهام أنّ الجواب مما تقصر عنه العبارة لأنّ ما قدّروه أمر غير متعين وأتى المصنّف رحمه اللّه له بنظير من القرآن المجيد ، وإن كان ثمة الإستطالة ظاهرة لأنه عنده مثبت للحذف لأجل الإيجاز فتدبر . قوله : ( وإسناد الإذهاب إلخ ) عبر بالإذهاب الذي هو مصدر المزيد والمذكور في النظم ذهب إشارة من أوّل الأمر إلى المعنى المراد ، وأنه لتعديه بالباء في معنى إذهب كما ستراه .
وفي الكشاف فإن قلت فما معنى إسناد الفعل إلى اللّه تعالى في قولهذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْقلت إذا طفئت النار بسبب سماويّ ريح أو مطر فقد أطفأها اللّه تعالى ، وذهب بنور المستوقد ، ووجه آخر وهو أن يكون المستوقد في هذا الوجه مستوقد نار لا يرضاها اللّه ، ثم إمّا أن تكون نارا مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام وتلك النار متقاصرة مدّة اشتعالها قليلة البقاء ، ألا ترى إلى قولهكُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ[ سورة المائدة ، الآية : 64 ] وأمّا نارا حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالإستضاءة بها إلى بعض المعاصي ، ويتهدّوا بها في طرق العيث فأطفأها اللّه وخيب أمانيهم ، وإنما أوردناه برمته لتعلم مراده ومراد المصنّف رحمه اللّه فتتحقق الفرق بينهما ، وقد ذهب الأكثر إلى أنّ السؤال على تقدير كونه جواب لما وأنه لدفع المانع المعنويّ الذي قرّرناه أوّلا وأنه مبنيّ على الاعتزال وقاعدة الحسن والقبح لأنّ إطفاء نار المستوقد عبث والعبث عندهم قبيح والوجوه ثلاثة والإسناد على الأوّل منها مجازيّ لكونه المسبب في الريح والمطر ، وقال المحقق إنه من قبيل أقدمني حق لي على فلان وهناك قدوم بلا إقدام ، وفائدة الإسناد المبالغة في الإذهاب وعلى الثاني فالمراد كما قاله قدّس سرّه مستوقد