شرح
إشراق النار نفسها فيه فأسند إليها إسناد الفعل إلى السبب كبني الأمير المدينة فإنّ النار سبب لإشراق ضوئها حول المستوقد ، ومآله ما اشتهر في العرف من أنّ الضوء ينتشر من المضيء إلى مقابلاته فيجعلها مستضيئة ، وقد قيل عليه إنّ هذا بناء على أنّ إشراق النير في البيت إنما يطلق إذا حلّ ذلك النير في البيت ، وكأنّ المصنّف رحمه اللّه لم يتعرّض له لأنه لا يقول به لإقتضائه أنه لا يصلح أن يقال أضاءت الشمس في الأرض إلّا على التجوّز ، وهو خلاف الظاهر وعلى المدّعي إثباته وأيضا النار في جهة مما حوله ولا يلزم أن تكون في جميع جهاته كما لا يلزم في قولنا أشرق السراج في البيت كونه في جميعه إذ يكفي وقوعه في موضع مّا منه ألا ترى إلى قوله تعالىوَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ[ سورة التوبة ، الآية : 101 ] ونحوه مما هو شائع في كلام العرب كقول حسان رضي اللّه عنه :أولاد جفنة حول قبر أبيهمإلى آخر ما فصلوه .
( أقول ) قد تقرّر في الحكمة أنّ الضوء عرض ، وكيفية مغايرة للون وليس عبارة عن ظهور اللون كما ذهب إليه بعض الحكماء وليس أجساما صغارا تنفصل من المضيء فتتصل بالمستضيء كما ذهب إليه بعض الحكماء ، وإن كان قد يشاهد للضوء بروق ، وتلألؤ على الجسم حتى كأنه يفيض منه ويضطرب مجيئا وذهابا بحيث يكاد يستره فإن كان ذاتيا كما للشمس سمي شعاعا ، وإن كان عرضيا كما للمرآة سمي بريقا ، وهذا ما أشار إليه قدّس سرّه ، ثم إنه إذا تعلق الظرف بفعل قاصر صار ظرفا لفاعله بالذات ، ولحدثه بالتبع كما في قام زيد في الدار ، وهذا غنيّ عن البيان فإن كان ذلك الحدث له أثر متعدّ كالإشراق والإصباح فهل يشترط في تحقق النسبة للظرفية ذلك أيضا فلا بدّ من قولك أشرق كذا في لو كذا من كون الإشراق ، والمشرق فيه أو يكفي وجود أثره فيه ، وإن لم يوجد هو بذاته كما في الأفعال المتعدّية فإنك إذا قلت رميت الصيد في الحرم يكون حقيقة وإن لم يكن الرامي في الحرم على ما ستسمعه إن شاء اللّه تعالى مفصلا في سورة الأنعام فالعلامة في الكشاف ارتضى الأوّل وجعل ما خالفه مجازا وقياسه مع المتعدّي قياس مع الفارق لأنّ المفعول مظروف حقيقة وإن كان لك أن تقول إنه حقيقة عرفية ، وفي كلامهم إيماء إليه ، وقد يقال إنه لذلك تركه المصنّف رحمه اللّه تعالى ، وقياس البيت والبلد على الحول إذا كان بمعنى الإحاطة والجهات غير ظاهر ، وقوله على الظرف قيل إنّ تخصيص الإضاءة بما حول المستوقد في الوجهين الأوّلين ظاهر لأنها لا تتعلق بمحل المستوقد وأمّا على الظرفية فغير ظاهر ، وليس بشيء لأنّ محله نفسه على كل حال لا تتعلق به الإضاءة كما قال الشاعر :وشمس تضيء الأرض شرقا ومغربا * وموضع رجل منه في البيت مظلم