وسدّهم طرق التوفيق على أنفسهم فتزايدات بسببه قلوبهم رينا ، وظلمة تزايد قلوب المؤمنين إنشراحا ونورا ، أو مكن الشيطان من إغوائهم فزادهم طغيانا أسند ذلك إلى اللّه تعالى إسناد
شرح
أفعال الكفرة عندهم ، وقوله بسبب كفرهم متعلق بمنعهم أو خذلهم ، وهو جواب عن سؤال مقدر أي لم منع بعض عباده ، ومنح أخرين والكل عباده ، ومثله لا يحسن عقلا عندهم فأجيب بأنهم تسببوا لذلك بالكفر والإصرار ، وردّ بأنّ المتبادر من كونه مسببا أنه خالق السبب ، ومنع الألطاف عدميّ لا يتعلق به الخلق ، فإن قيل يدفعه قوله خذلهم فإنّ الخذلان تيسير أسباب الغواية كما إنّ اللطف تيسير أسباب الهداية ، وقعوا فيما فرّوا منه فإنّ تسبيب القبيح قبيح ، وإن كان قبحه دون قبح إيجاده ، ثم إنه ينقل الكلام إلى ما قبل الكفر والإصرار فإن قالوا بوجود الألطاف عندها كان مكابرة لأنها لو كانت ما كفروا ، ولا أصرّوا فالحق ما ذهب إليه أهل الحق فتدبر . قوله : ( فتزايدت بسببه قلوبهم ) الظاهر أنه ماض معطوف على منعهم لا جواب لما مع الفاء ، وإن كان جائزا أيضا فإنّ جوابها يكون ماضيا بلا فاء ، وقد يكون معها ويكون مضارعا وجملة اسمية مع إذا الفجائية ، والفاء كما فصله شراح التسهيل ، وقوله تزايد قلوب المؤمنين مصدر منصوب على إنه مفعول مطلق لقوله تزايدت تشبيهيّ كما تقول وقيته وقى الكتاب ، وأمّا كونه ماضيا جوابا للما هربا من اقتران الجواب بالفاء فمع أنه لا حاجة إليه بعيد بحسب المعنى لأنه لا تعرض له في الآية ، وإن لزم معناها . قوله : ( أو مكن الشيطان من إغوائهم ) إلخ عطف على منعهم ، وأسند جواب لما الثانية كما مرّ ، وهو مجهول وهذا هو الوجه الثاني من تأويلات المعتزلة ، وحاصلها كما قال قدّس سرّه إنه إمّا أن يكون سمي ما تزايد من الرين مددا في الطغيان ، وفيه تجوّز إن كما مرّ أو أريد بالمد في الطغيان ترك القسر والإلجاء إلى الإيمان وهو فعله تعالى وإسناده إليه حقيقة والمسند مجاز أو المراد معناه الحقيقي ، وهو فعل الشيطان لكنه أسند إليه تعالى مجازا على مذهبه لأنه بتمكينه وإقداره ، وقد يتوهم أنّ إيقاع المدّ عليهم تجوّز لازم على كل مذهب لأنّ حقيقته أن يوقع على الطغيان ، ونحوه مما يقع فيه الزيادة ، ودفع بأنّ المفهوم من مدّ طغيانهم ومدّهم في طغيانهم واحد .
( وههنا مباحث جليلة ) :
( الأوّل ) أنه أورد على ما في الكشاف ، وشروحه كما سمعته آنفا إنه جعل منع الألطاف سبب الإصرار على الكفر ، ولا شك أنّ الكفر والإصرار عليه سبب لمنع الألطاف ففيه دور ، وقد مرّ إيماء إليه ، ثم إنه جعله فعلا للشيطان في الوجه الثاني ، والشيطان لا يقدر على خلق شيء في العبد باتفاق منا ومنهم ، وإنما هو مغو بوسوسته وتزيينه ولا يقدر على غير ذلك كما حكاه اللّه عنه في قولهوَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ[ سورة إبراهيم ، الآية : 22 ] فتعين إنّ محدثه العبد عندهم ، وقول المعتزلة كما حكاه الزمخشريّ إنه فعل الشيطان لا يقوله شيطان أصلا كما قيل :