لا يؤبه به في مقابلة ما يفعله اللّه بهم ، ولعله لم يقل اللّه مستهزئ بهم ، ليطابق قولهم إيماء بأنّ الاستهزاء يحدث حالا فحالا ، ويتجدّد حينا بعد حين ، وهكذا كانت نكايات اللّه فيهم .
شرح
عطف لم يكن جوابا للسؤال المذكور ، ولا جزاء لاستهزائهم لأنه يصير المعنى أنهم قالوا : إنما نحن مستهزؤن . وهم هزأة في أنفسهم اللّه مستهزئ بهم ، وإذا كان جوابا وجزاء فقد تولى اللّه جوابهم بنفسه تعظيما وتكريما للمؤمنين ، ولم يكل الجواب إلى المستهزإ بهم كما هو مقتضى الظاهر إشارة إلى أنه يجازيهم بما لا يقدر عليه البشر ، وهذا إنما نشأ من الاستئناف ، وتغيير الأسلوب بفحوى المقام كما لا يخفى على من له نظر سديد . وقوله : ( لا يؤبه به ) بضم الياء التحتية وهمزة ساكنة يجوز أن تبدل واو أو باء موحدة مفتوحة ، وهاء أي لا يعتدّ به لحقارته ، ومثله يعبأ به ، وهو متعدّ بالباء وعدّي في الحديث باللام وهذا إنما يتأتى على غير الوجه الثاني في معاني الاستهزاء . فتأمّل . قوله : ( ولعله لم يقل اللّه مستهزئ إلخ ) قال الفاضل المحقق في بيان ما في الكشاف من أنه لم يقل اللّه مستهزئ بهم ليطابق قوله إنما نحن مستهزؤن . كما هو مقتضى الظاهر لأن يستهزئ يفيد حدوث الاستهزاء وتجدّده ، وقتا بعد وقت يعني أنه لكونه فعلا يفيد التجدّد والحدوث ، ولكونه مضارعا صالحا للحال يفيد الحدوث حالا ، وكونه مستعملا في مقام لا يناسب التقييد بحال دون حال يفيد التجدّد حالا بعد حال وهو معنى الاستمرار ، وهذا كما صرّحوا به يفيده المضارع مطلقا ، لا إذا قدّم المسند إليه ، فصار جملة اسمية حتى يصل التجدّد من الفعل ، والاستمرار من كون الجملة اسمية على ما توهمه البعض ألا ترى أنّ في قوله تعالىوَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ[ سورة البقرة ، الآية : 79 ] وقوله تعالىلَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ[ سورة الحجرات ، الآية : 7 ] وغير ذلك قد دل المضارع على التجدّد والاستمرار من غير تقديم للمسند إليه ، وينبغي أن يعلم أنّ هذا غير مستفاد من الجملة الإسمية ، فإنه متأت واستقرار لا استمرار بمعنى الحدوث حالا فحالا ومرّة بعد أخرى ، وفي شرح الطيبي أنه من اقتضاء المقام ، فإنك إذا قلت فلان يقري الضيف عنيت أنه اعتاده واستمرّ عليه لا أنه يفعله أو سيفعله ، وقد يقال إنّ هذا أبلغ من الاستمرار الثبوتي الذي تفيده الاسمية لأنّ البلاء إذا استمرّ قد يهون وتألفه النفس كما قال المتنبي :حلفت ألوفا لو رجعت إلى الصبا * لفارقت شيبي موجع القلب باكياوكما قلت أنا :ألفت البكاء فلو زال عن * عيوني بكته جميع الجوارحوقوله : ( ليطابق تعليل للمنفي وإيماء ) تعليل للنفي وعداه بالباء ، وهو يتعدّى بإلى أو اللام تسمحا ، أو لتضمنه معنى الاعتناء ، والنكايات جمع نكاية بمعنى العقوبة ، وفعله نكأت ونكيت ، وهو من نكأت العدوّ إذا أكثرت فيه الجرح والقتل حتى وهن ، كما في النهاية الأثيرية . قوله : ( يحدث حالا فحالا ويتجدّد حينا بعد حين ) إشارة إلى أنه مستفاد من المضارع ،