ينزل بهم الحقارة ، والهوان الذي هو لازم الاستهزاء ، والغرض منه أو يعاملهم معاملة المستهزئ أمّا في الدنيا ، فبأجراء أحكام المسلمين عليهم ، واستدراجهم بالإمهال والزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان ، وأمّا في الآخرة فبأن يفتح لهم ، وهم في النار بابا إلى
شرح
مرسل بعلاقة اللزوم العادي ، أو السببية في التصوّر والمسببية في الوجود وفائدته التنبيه على أنّ حالهم حقيق بأن يسخر منه ويهزأ به . وقوله : ( والغرض منه إلخ ) وجه آخر وعلاقة أخرى ، أو هو تفسير للازم وهو الأظهر الذي مشى عليه الأكثر ، فسمي لازم الاستهزاء استهزاء وعطف هذا كالذي قبله ، وفي شرح الكشاف يعني أنه مجاز عما هو بمنزلة الغاية للاستهزاء ، فيكون من إطلاق المسبب على السبب نظرا إلى التصوّر وبالعكس نظرا إلى الوجود . قوله : ( أو يعاملهم معاملة المستهزئ إلخ ) أي يفعل بهم فعله وأصل المعاملة التصرّف في الأمور ، وهذا هو الجواب الأخير وهو الذي ذكره في الكشاف بقوله ، ويجوز أن يراد به ما مرّ في يخادعون من أنه يجري عليهم أحكام المسلمين في الظاهر ، وهو مبطن بادّخار ما يراد بهم ، وهو محتمل للاستعارة التبعية والتمثيلية ، وأمّا كلام المصنّف فنص في التمثيل لا يكاد يحتمل خلافه لذكره أوّلا التجوّز في الطرفين ، ومن لم يتنبه لهذا اغتر بقول بعض شرّاح الكشاف أنّ الاستعارة تبعية ، فتوهم اتحاد كلام المصنّف ، وما في الكشاف فقال : إنها استعارة تمثيلية ، أو تبعية تخييلية شبه صورة صنع اللّه معهم في الدنيا بإجراء أحكام الإسلام واستدراجهم بإدرار النعم ، والإمهال مع أنهم من أهل الدرك الأسفل بالاستهزاء إلى آخر ما ذكروه والاستدراج الإدناء من الشيء درجة ، وسيأتي تحقيقه في قوله تعالىسَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ[ سورة القلم ، الآية : 44 ] وقوله بالإمهال متعلق بقوله بالاستدراج ، والزيادة بالجر معطوف عليه . وقوله : ( على التمادي إلخ ) ظرف مستقرّ في موضع الحال قال المرزوقي : قولهم على أنه يكون كذا يجري في كلام العرب مجرى الاستدراك ، وهو في موضع نصب على الحال وهذا كما تقول ما أترك حقه على ظلع بي أي أؤدّيه ظالعا فمن قال : إنه متعلق باستدراجهم لم يصب ، والتمادي في الشيء اللجاج والمداومة عليه ، وأصله تمادد فأبدل أحد المثلين حرف علة للتخفيف وقيل :
المدى الغاية والتمادي بلوغها . قوله : ( فبأن يفتح لهم إلخ ) بيان لاستهزاء اللّه بهم في الآخرة ، وقد مرّ أن الاستهزاء والسخرية ، كما يكون بالكلام يكون بالفعل ، وهذا من الثاني ، وهذا مأخوذ من حديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت عن الحسن قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم باب إلى الجنة فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا جاء أغلق دونه ثم يفتح له باب آخر فيقال له هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كذلك حتى إنّ الرجل ليفتح له باب فيقال هلم هلم فما يأتيه » « 1 » قال السيوطي : وهذا حديث مرسل جيد الإسناد ، وكذا روي ما يقرب منه القرطبي في
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في « كتاب الصمت » 285 عن الحسن مرسلا .