تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
الجنة ، فيسرعون نحوه ، فإذا صاروا إليه سدّ عليهم الباب وذلك قوله تعالى :
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
[ سورة المطففين ، الآية : 34 ] وإنما استؤنف به ولم يعطف ليدلّ
شرح
تذكرته عن ابن المبارك وقوله ( وذلك قوله ) أي هو معنى هذه الآية وتفسيرها ، ففيه مضاف مقدر . قوله : ( وإنما استؤنف به إلخ ) اختلف شراح الكشاف في هذا الاستئناف هل هو الاستئناف البياني ، فهو جواب سؤال مقدر أولا ، أو هو محتمل لهما ، فذهب إلى كلّ بعض من الشرّاح وأرباب الحواشي وقال بعضهم : إنّ الثاني متعين هنا لقول الزمخشريّ ابتدىء قولهاللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْوهذا بناء منه على أنّ الابتداء يختص بالاستئناف النحوي ، وهي دعوى منه بلا دليل والمحققون من شراح الكشاف والمفتاح على تقدير السؤال ، وذهب السكاكي إلى أنّ فيه مانعا من العطف ، لأنّ المعطوف عليه إمّا جملة قالوا وإما جملة إنا معكم إنما نحن مستهزؤن ، ولو عطف لكان مقولا لهم أو مقيدا بالشرط ، وليس بمراد ثم قال ولك أن تحمله على الاستئناف من حيث أنّ حكاية اللّه حال المنافقين قبله تحرّك السامعين أن يسألوا ما مصير أمرهم وعقبى حالهم ، وكيف معاملة اللّه إياهم ، فلم يكن من البلاغة أن يعرى الكلام عن الجواب ، فلزم المصير إلى الاستئناف ، وإنما أخره ومرّضه لما قيل من أنه يفهم منه كون المقام صالحا للعطف بل هو مقتضى الظاهر ولا يظهر ما يحسن عطفه عليه إلّا قولهوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُإلخ وهو بعيد لفظا ومعنى . وقال قدّس سرّه في شرح قول العلامة إنه استئناف في غاية الجزالة والفخامة إلخ أي ليس ترك العطف فيه لدفع توهم كونه معطوفا على ( إنا معكم ) فيندرج حينئذ في مقول المنافقين ، أو على قالوا فيتقيد بالظرف أعني وإذا خلوا بل هو لكونه استئنافا ، وإنما كان في غاية الجزالة والفخامة لدلالته على أنهم بالغوا في استهزائهم مبالغة تامّة ظهر بها شناعة ما ارتكبوه ، وتعاظمه على الأسماع على وجه يحرّك السامع أن يقول : هؤلاء الذين هذا شأنهم ما مصير أمرهم إلخ ثم إنّ هذا الاستئناف لم يصدّر إلّا بذكره تعالى لفائدتين الأولى التنبيه على أنّ الاستهزاء بالمنافقين هو الاستهزاء الأبلغ الذي لا اعتداد معه باستهزائهم لصدوره عمن يضمحل علمهم وقدرتهم في جانب علمه ، وقدرته الثانية الدلالة على أنه تعالى يكفي مؤنة عبادة المؤمنين وينتقم لهم ، ولا يحوجهم إلى معارضة المنافقين تعظيما لشأنهم ، وفي هاتين الفائدتين تأييد لجزالة الاستئناف وفخامته وأورد صيغة الحصر في قوله : وفيه إنّ اللّه عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ تنبيها على ما هو مدلول الكلام من أنّ بناء الفعل على المبتدأ مطلقا عنده للاختصاص ، ودلّ بقوله ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله على أنّ الحصر بالقياس إليهم أي هو المستهزىء دون المؤمنين لا يقال الاستهزاء بمعنى السخرية لا يتصوّر منه تعالى ، وبالمعنى المراد من إنزال الهوان والذل لا يتصوّر من المؤمنين ، فكيف يتصوّر الحصر لأنا نقول معناه أنه تعالى يتولى الاستهزاء بالمعنى الذي يليق به ، ولا يتولاه المؤمنون بالمعنى الذي يليق بهم ، ويماثل استهزاء المنافقين وفي كلامه إشارة إليه ، فلا إشكال حينئذ .
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 540 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي