تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
الاستهزاء باسمه ، كما سمي جزاء السيئة سيئة إمّا المقابلة اللفظ باللفظ ، أو لكونه مماثلا له
شرح
المعنى والمجازاة المكافأة والمقابلة ويتعدّى بالباء وعلى ، وقال الراغب : جزيته بكذا وجازيته ولم يجيء في القرآن إلّا جزى دون جازى وذلك لأنّ المجازاة هي المكافاة والمكافاة مقابلة نعمة بنعمة هي كفؤها ونعمة اللّه تتعالى عن ذلك ، ولهذا لا يستعمل لفظ المكافة في اللّه تعالى . اه ويرد عليه قوله تعالىوَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ[ سورة سبأ ، الآية : 17 ] وسيأتي تمامه إن شاء اللّه تعالى . قوله : ( سمى جزاء الاستهزاء باسمه إلخ ) قيل لما كان الاستهزاء بمعنى السخرية محالا على اللّه تعالى لكونه جهلا لقول موسى عليه الصلاة والسلامأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ[ سورة البقرة ، الآية : 67 ] في جوابأَ تَتَّخِذُنا هُزُواً[ سورة البقرة ، الآية : 67 ] احتيج إلى التأويل ، فذكر المصنّف رحمه اللّه وجوها مدار الأوّلين منها على اعتبار الاستهزاء في جانب المستهزأ بهم ، وجعل المذكور جزاء له على الأوّل ، وإرجاع وباله عليهم على الثاني ، ومدار الأخيرين على اعتبار الاستهزاء المذكور في جانب المستهزئ وجعله مجازا عن إنزال الغرض منه بهم على الأوّل وعن المعاملة معهم معاملة المستهزئ على الثاني . ( أقول ) تبع في هذا الإمام ومن حذا حذوه وفي مدّعاه ودليله ما لا يخفى أمّا الأوّل : فلأنّ حقيقة الاستهزاء التحقير على وجه من شأنه أنّ من اطلع عليه غيره يتعجب منه ويضحك ، وأيّ استح للّه لة في وقوع هذا من اللّه وأمّا الثاني : فلأنه لا وجه لكونه جهلا ، وأمّا الآية فسيأتي تأويلها ولو سلم فامتناعه من البشر لا يقتضي امتناعه من اللّه على ما فصله علم الهدى في التأويلات ، وقال السمرقندي في تفسيره ذهب الحسين بن النجار ، وطائفة من أهل التأويل أنّ الاستهزاء هنا على حقيقته وهو مما يوصف به اللّه من غير مانع وإليه ذهب أهل الحديث قالوا : وإنما لم يجز من الخلق لما فيه من النقص والجهل ، وهذا مما لا يتصوّر في حقه ، فليس في الوصف به ضير كالتكبر ، ومنعه من قياس الغائب على الشاهد ، وذهب كثير من أهل السنة والجماعة إلى أنه لا يوصف به اللّه تعالى حقيقة لما فيه من تقرير المستهزأ به على الجهل الذي فيه ومقتضى الحكمة والرحمة أن يريه الصواب ، فإن كان عنده أنه ليس متصفا بالمستهزأ به ، فهو لهو ولعب لا يليق بكبريائه فلذا أولوا هذه الآية بما ذكره المصنّف كغيره . قوله : ( إمّا لمقابلة اللفظ باللفظ إلخ ) هذا بناء على أنّ الاستهزاء لا يليق به تعالى ولا يجري عليه حقيقته ، ولا بدّ من تأويله واقترانه بمسوغ له كأن يقال أطلق على مجازاة اللّه لهم لما بين الفعل وجزائه من الملابسة القوية ، ولما في الأوّل من السببية مع وجود المشاكلة المحسنة ، ولذا تعدّى بما تعدّى به الآخر ، فالمراد بالمقابلة المشاكلة ، وأمّا تحقيقها من أي أنواع المجاز هي وهل تجامع الاستعارة أم لا فسيأتي عن قريب ، وهذا هو الوجه الأوّل من وجوه التأويل . قوله : ( أو لكونه مماثلا له ) يعني أنه استعارة تبعية بعلاقة المشابهة في المقدار ، وقيل : إنه مجاز مرسل بجعل جزاء الاستهزاء تابعا له مترتبا عليه مناسبا له في القدر وفيه نظر وعليهما فقد أطلق عليه تنبيها على عدله في الجزاء كما قال تعالىجَزاءً وِفاقاً[ سورة النبأ ، الآية : 26 ] وهذا هو الوجه
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 537 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي