إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
تأكيد لما قبله لأنّ المستهزئ بالشيء المستخف به مضرّ على
شرح
الكفر ، فهو كالتفسير الذي حقه التأخير ، وأمّا جعله تعليلا بغير الاستئناف البياني بعدّه مغايرا له فغفلة أو تغافل ، ثم إنه قد يقال إنه لا مخالفة بين كلامي السيد ، وإيهام الإيمان في كلامه ليس تأويلا لقولهإِنَّا مَعَكُمْبل إشارة إلى أنه يدلّ على أنّ قولهم آمنا مخادعة لم يصدر عن صميم قلب كما يدلّ عليه السياق ، ومصبّ الكلام ، وهذا هو الداعي لعدول السكاكي عما في الكشاف فتدبر . وقوله : ( المستخف به ) أي المحقر والتعبير به في غاية الحسن لانطلاقه على معناه الحقيقي . قوله : ( أو بدل منه إلخ ) تحقير الإسلام من قولهإِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَوتعظيم الكفر هو مدلول قولهإِنَّا مَعَكُمْقال ابن الصائغ : للنحاة في إبدل الجملة من الجملة خلاف ، وجعل منه ابن فلاح قوله :ذكرتك والخطيّ يخطر بيننا * وقد نهلت منا المثقفة السمرعلى كلام فيه ، وتقرير البدلية بأن من حقر الإسلام إلخ لأنّ البدل إمّا اشتمال وذلك يقتضي المغايرة ، أو بدل كل من كل وهو ، وإن اقتضى التساوي ، فمن حيث الصدق لا من حيث المدلول ، ثم إن أستاذه أبا حيان في النهر اشترط في صحة وقوع البدل في الجمل كونهما فعليتين حيث قال لا يظهر لي صحة إبدال قوله تعالىذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ[ سورة البقرة ، الآية :
17 ] من قولهمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِيإلخلأنّ البدل لا يكون في الجمل إلّا إذا كانت فعلية من فعلية ، وأمّا أنّ تبدل فعلية من اسمية فلا أعلم أحدا أجازه ، والبدل على نية تكرار العامل والجملة الأولى لا موضع لها من الإعراب ، فلا يمكن أن تكون الثانية على نية تكرار العامل إذ لا عامل في الأولى ، فيتكرّر في الثانية فبطلت جهة البدلية ا ه . وقال الفاضل المحقق هنا :
البدل لا يحتاج إلى اعتبار أحد اللازمين ويكفي تصادق الثابت على الباطل ، والمستهزئ بالحق مع كون الثاني ، أوفى بالمقصود لما في الأوّل من بعض القصور حيث يوافقون المسلمين في بعض الأمور ، ثم الظاهر أنه بمنزلة بدل الكل ، وأرباب البيان لا يقولون بذلك في الجمل التي لا محل لها ويعنون بما لا محل له ما لا يكون خبرا أو صفة أو حالا ، وإن كان في موقع المفعول للقول ، فلذا كان الاستئناف هنا أوجه ، وقال قدّس سرّه : إنهم قصدوا تصلبهم في دينهم وكان في الكلام الأوّل نوع قصور عن إفادته إذ كانوا في الظاهر يوافقون المؤمنين في بعض الأمور ، فاستأنفوا القصد إلى ذلك بأنهم يعظمون كفرهم بتحقير الإسلام وأهله فهم أرسخ قدما فيه من شياطينهم ، وفي بعض الحواشي نقلا أنّ المراد بالبدل هنا ليس أحد التوابع المشهورة ، فإنه لا يكون في الجمل الاسمية ، وقد جاء في الفعلية كقوله تعالىوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ[ سورة الفرقان ، الآية : 68 ] فالمراد بالبدل هنا أنّ الجملة الثانية تسدّ مسدّ الأولى وتغني عنها غناء البدل عن المبدل منه .
( أقول ) هذا جملة ما قالوه ، وهو كلام لم ينضج والحق الحقيق بالقبول أنّ البدل بأنواعه يقع في الجمل مطلقا سواء كان لها محل من الإعراب أو لا ، وهو مقتضى إطلاق كلام النحاة