الرحمن الرحيم وقول أمّ سلمة رضي اللّه عنها : قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الفاتحة ، وعدّ بسم اللّه
شرح
معين ، وهو انفرد بروايته مع احتماله التأويل بأنّ التقسيم لما يخص الفاتحة والبسملة مشتركة بينها وبين غيرها ، وردّه ابن عبد السلام رحمه اللّه بأنّ ظاهره ليس بمراد ، لأنّ الصلاة ليست مقسومة بالإجماع بدليل السورة المضمومة بل بعض القراءة ، فالتقدير قسمت بعض قراءة الصلاة ، وبعض قراءة الصلاة لا يستلزم الفاتحة فالمقسوم بعض الفاتحة ، ونحن نقول به انتهى .
وفيه نظر بعد ، وكونه مما يطلب فيه اليقين قول القاضي أبي بكر الباقلاني ، وقد خالفوه حتى قال القرطبي رحمه اللّه المسألة اجتهادية ظنية لا قطعية ، كما ظنه بعض الجهلة من المتفقهة .
( أقول ) فيه إنّ القرآن على المشهور إنما ثبت بالتواتر وهو قطعي ، فكيف يقال إنّ المسألة ظنية ويجهل من قال بقطعيتها وقد أجيب بأنّ المتواتر كونه منزلا من عند اللّه للإعجاز بنوعه وقرآنيته وأمّا كونه جزأ منه في بعض معين فليس بمتواتر وإلا لم يسمع الاختلاف فيه ، وتحقيقه كما في تفسير السمين المسمى بالوجيز أنّ الأحاديث تدل على أنّ البسملة آية من الفاتحة ، وهي متعاضدة محصلة للظن القوي بكونها قرآنا والمطلوب هنا الظن لا القطع خلافا لأبي بكر الباقلاني حيث قال : لا يكتفى هنا بالظن ، وشنع على الشافعية ، وقال : كيف يثبت القرآن بالظن ، وأنكر عليه الغزالي رحمه اللّه ، وأقام الدليل على الاكتفاء بالظن ، فيما نحن فيه كحديث كان النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يعرف ختم السورة حتى تنزل عليه بسم اللّه الرحمن الرحيم « 1 » والقاضي معترف بهذا ، ويتأوّل على أنها كانت تنزل ، ولم تكن قرآنا ، وليس كل منزل قرآنا قال الغزالي رحمه اللّه ما من منصف إلا ويستبرد هذا التأويل ويضعفه انتهى .
( أقول ) هذه مسألة أصولية اختلف فيها وحاصلها أنه هل يكفي فيما نحن فيه الظن لأنّ التواتر إنما يشترط فيما يثبت قرآنا على سبيل القطع كغيرها من القرآن فأما ما يثبت قرآنا على سبيل الحكم فيكفي فيه الظن كما مرّ عن الغزالي ومعنى كونه على سبيل الحكم أنّ له حكم القرآن من الكتابة بين الدفتين ووجوب القراءة وهو الأصح عند الشافعية وذهبت الحنفية إلى أنّ كل ما يسمى قرآنا لا بد فيه من القطع والتواتر في نفسه ومحله كما في سورة النمل ، وما بين السور ليس كذلك فحيث انتفى ذلك انتفت القرآنية والشافعية مختلفون في هذه المسألة ، فمن ذاهب إلى المنع على الأصح عندهم ، ومن ذاهب إلى التسليم مدّع لثبوت موجبه لأنّ اثباتها في جميع المصاحف في معنى التواتر وإنما لم يتواتر تسميتها قرآنا ، وآية بالنقل عنه عليه الصلاة والسلام إذ لو تواتر لكفر جاحدها ، وهو لا يكفر بالاتفاق بينهم ، ولا ضير فيه إذ لا يلزم من انتفاء تحققه تحقق انتفائه ، وهو المدّعى لهم .
قوله : ( وقول أمّ سلمة الخ ) هي أمّ المؤمنين رضي اللّه عنها من كبار الصحابة وسلمة بفتح
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود 788 والحاكم 1 / 231 من حديث ابن عباس ، صححه الحاكم على شرط الشيخين ، وقال الذهبي : أما هذا الحديث فثابت .