كما يستعمل لمسماه مطلقا يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة به ، والمقصودة منه ولذلك يسلب عن غيره ، فيقال زيد ليس بإنسان ، ومن هذا الباب قوله تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
[ سورة البقرة ، الآية : 18 ] ونحوه وقد جمعهما الشاعر بقوله :
شرح
( قلت ) ما بين الفاضلين من الخلاف منشؤه ما فصل في المعاني في بحث التعريف ، وليس هذا محله ، فالعارف تكفيه الإشارة ، كما أنّ الغبيّ لا تشفيه العبارة ، والحاصل أنّ الحصر إمّا لأنهم الكاملون المستجمعون لمعانيه ، فكأنهم جميع أفراده أو بملاحظة أنّ غيرهم كالبهائم لفقد التمييز بين الحق والباطل ، فلا يندرجون في الناس والأوّل يشبه القصر الحقيقي والثاني الإفرادي ، والمصنّف رحمه اللّه صرّح بالأوّل لدلالته على كمالهم المقصود ، وإشارة إلى أنه مستلزم للثاني بقوله : ولذلك يسلب عن غيره إلخ ، ومن غفل عن هذا قال إنّ عبارة المصنّف ناظرة إلى الأوّل فقط فما قيل من أنّ الثاني أبلغ في هذا المقام ، وأنه على الأوّل تخصيص وعلى الثاني استعارة لقول العلامة : كأنهم الناس على الحقيقة ليس بشيء . قوله : ( بقضية العقل ) أي بحكم العقل أو بمقتضاه ، وهما متقاربان . وقوله : ( فإنّ اسم الجنس إلخ ) المراد باسم الجنس الاسم الجامد الموضوع لمعنى عام سواء كان معرفة أو نكرة ، وإذا عرف دلّ التعريف على تعيين معناه قال الراغب : كل اسم نوع يستعمل على وجهين .
أحدهما دلالته على مسماه فصلا بينه وبين غيره .
والثاني لوجود المعنى المختص به ، وذلك هو الذي يمدح به لأنّ كل ما أوجده اللّه في العالم جعله صالحا لفعل خاص به لا يصلح له سواه كالفرس للعدو ، والبعير لقطع الفلاة البعيدة ، وعلى ذلك الجوارح كاليد والعين والناس أوجدوا ليعلموا فيعملوا ، فكل ما لم يوجد فيه المعنى الذي خلق لأجله لم يستحق اسمه مطلقا بل ينفي عنه ، فيقال زيد ليس بإنسان ا ه .
وهذا ما أشار إليه المصنّف رحمه اللّه . قوله : ( ولذلك يسلب عن غيره ) أي لأجل استعماله فيما استجمع المعاني المقصودة منه سلب عمن لم يستجمعها فيقال : ليس بإنسان . ولولا هذا لكان كذبا مع أنه صدق مستحسن كما قال :يا قارع الباب على عبد الصمد * لا تقرع الباب فما ثمّ أحدوقد مرّ لك أنّ هذا مستلزم لجعل الناقص بمنزلة العدم ، فليس مغايرا له كما قيل فتدبر واستجمع بمعنى جمع ، فهو متعد كما يشعر به كلام الصحاح ، وفي المصباح أنه لازم كتجمع فعليه يكون تضمينا أو مجازا . قوله : ( وقد جمعهما الشاعر ) أي جمع استعمال اللفظ في مسماه مطلقا واستعماله فيما يستجمع المعاني المقصودة منه ، فإنّ المراد من الناس الأوّل الجنس ومن الثاني الكاملون في الإنسانية ، وقس عليه الزمان والديار فيما سيأتي ، وقد عرفت أنّ منشأ هذا اسم الجنس نفسه بقطع النظر عن تعريفه ، وتعريفه إنما يفيد تعيينه كما صرّح به المصنّف رحمه اللّه والراغب آنفا ، فمن قال ومن هما يعلم أنّ دعوى الكمال يجوز اعتبارها في النكرة أيضا فقد أجمل إذا أهمل ، ثم إنّ أخذه من نفس اللفظ معرفة كان أو نكرة لا ينافي إفادة التعريف له عند