. . .
شرح
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُواإلخ . وردّ بأنه لا إشكال فيه لأنه لم يصرّح بأنّ المنافقين جاهروا المؤمنين بل في عبارته ما يوهمه ، وهو قوله من جوابهم بناء على أنّ الجواب ما يقال مواجهة ، وكونه كذلك موقوف على السماع من أهل اللغة وهو لم يوجد ، ويدل على خلافه ما استفاض من إطلاق الخلف لفظ الجواب على ردّ كلام السلف مع بعد العهد من غير نكير ، وقيل إذا هنا بمعنى لو تحقيقا لنفاقهم وأنهم على حال تقتضي أنهم لو قيل لهم كذا قالوا كذا كما قيل مثله في قوله :وإذا ما لمته لمته وحديواستشهد له بقول الزمخشريّ : إنّ مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أوّل قصة المنافقين فليس بتكرير ، لأنّ تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم ، وهذه في بيان ما كانوا يعملون عليه من المؤمنين من التكذيب لهم ، والاستهزاء بهم ، ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم ، فإذا فارقوهم إلى شطار دينهم صدقوهم ما في قلوبهم شاهد صدق عليه ، فهو ضرب من التقدير والتمثيل ، وقيل : يجوز أن يقول المنافقون ذلك إذا انفردوا عن المؤمنين خالين من مشهدهم ، فلا يكون مجاهرة لتمكنهم من الإنكار ، كما سيأتي في سورة المنافقين في قصة زيد بن أرقم رضي اللّه عنه ، وقيل : إنه كان بحضرة المسلمين لكن مسارّة بينهم هذا ما ذكروه من القيل والقال ، وحلوا به شكال الإشكال ليفرّوا من غائلة الاختلال .
( والذي عندي ) أنه لا يرد رأسا فإنّ المؤمنين أمروهم بالإيمان المطابق لإيمان خلص الناس والأمر كالنفي ينصب على القيد ، فكأنهم قالوا لهم أخلصوا الإيمان ، وفيه اعتراف بأصل إيمانهم وهو مطابق لقوله تعالىوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا[ سورة البقرة ، الآية : 8 ] فأجابوهم وجاها وشفاها بقولهمأَ نُؤْمِنُإلخ أي نحن مؤمنون متصفون بصفات ، وسمات للإيمان لا يخالفها إلّا من كان سفيها وهذه مواجهة بالإيمان لا بالكفر كما ادّعاه السائل وإن كان هذا سما في شهد ، لأنهم قصدوا به عدم إيمانهم بما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتسفيه من اتبعه لكنه خلاف ظاهر الكلام ، والشرع إنما ينظر للظاهر ، وعند اللّه علم السرائر ، ولهذا قال العلامة سفهوهم ، ولا يلزم من هذا عدم مطابقة جوابهم نصح الناصح ، لأنه كناية عن كمال إيمانهم وإن كان في قلب تلك الكناية نكاية وبعدما كتبت هذا رأيت لبعض فضلاء العصر ما يقاربه ، فقلت مرحبا بالوفاق وترك المصنّف لما في الكشف وشروحه هنا من توجيه إسناد قيل :
إلى جملة آمنوا بأنه أريد به لفظه فهو اسم وهو مفعول به ساد مسد الفاعل ، وهو مقول القول ، فلا حاجة إلى ادعاء أنه مسند لضمير المصدر والجملة بدل منه ، ولا إلى الجار والمجرور لظهوره . قوله : ( فإنّ كمال الإيمان إلخ ) المراد بكماله ما به يتمّ ويتحقق وهو بحسب الاستعمال يتناول الاجزاء وغيرها كما قيل :