تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
إبراهيم عليه الصلاة والسلام كذب ثلاث كذبات ، فالمراد التعريض ولكن لما شابه
شرح
استحلفه لزمه أن يحلف ، ويوري في يمينه ، وكذا في كل مقصود ، فلا يختص بالصور الثلاث الواردة في الحديث بل ينبغي أن يقابل بين مفسدة الكذب ، والمفسدة المترتبة على الصدق ، فإن كانت المفسدة في الصدق أشدّ ضررا فله الكذب ، وإن كان عكسه أو شك حرم عليه الكذب اه ونحوه في كتاب الذريعة للراغب ، فما قيل في الجواب عنه بأنه مذهب الشافعية من قصور النظر ، فإنه متفق عليه في جميع المذاهب كما صرحوا به ، وقيل إنّ معنى الكلية في كلام المصنّف أنّ الكذب حرام من حيث ذاته مطلقا وقد يكون مباحا من حيث وصفه كما في الصور المذكورة ، وهو وهم على وهم ، فإنه مع مخالفته لمذهبه مبنيّ على الاعتزال . قوله : ( لأنه علل به استحقاق العذاب إلخ ) في الكشاف وفيه رمز إلى قبح الكذب وسماجته ، وتخييل أنّ العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم ونحوه قوله تعالىمِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا[ سورة نوح ، الآية : 25 ] والقوم كفرة وإنما خصت الخطيآت استعظاما لها ، وتنفيرا عن ارتكابها يعني أنّ فيه تعريضا يتضمن تحريضا للمؤمنين على ما هم عليه من الصدق والتصديق ، فإنّ المؤمن إذا سمع ترتب العذاب على الكذب دون النفاق الذي هو أخبث الكفر وصاحبه في الدرك الأسفل تخيل في نفسه تغليظ اسم الكذب ، وتصوّر سماجته فانزجر أعظم انزجار فسقط ما قيل من أنّ قبحه لا سيما عندهم تحقيق لا تخييل ، لما عرفته من معنى التخييل والزجر وهذا من قبيل ما في قوله تعالىالَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ[ سورة غافر ، الآية : 7 ] من ذكر الوصف سواء كان نعتا أو لا لمدح ذلك الوصف في نفسه ، أو ذمه ترغيبا فيه أو تنفيرا ، كما يكون الوصف لمدح الموصوف أو ذمه ، وهذا كما صرّح به السكاكيّ والخطيب ، ومن الناس من حسبه من البديع الغريب وسيأتي في كثير من النظم الكريم ، والمراد بترتبه عليه أنه مسبب عنه ، فهو مؤخر رتبة وما ذكره ظاهر على قراءة التخفيف وكذا في غيرها لأنّ نسبة الصادق إلى الكذب كذب ، وكذا كثرته ونحوها فتدبر . قوله : ( وما روي أنّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلخ ) إشارة إلى ما روي في الصحيحين وغيرهما في حديث الشفاعة فيقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام إني كذبت ثلاث كذبات على روايات مختلفة في بعضها أنه عدّها فذكر قوله في الكوكبهذا رَبِّي[ سورة الأنعام ، الآية : 78 ] وقولهبَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا[ سورة الأنبياء ، الآية : 63 ] وقولهإِنِّي سَقِيمٌ« 1 » [ سورة الصافات ، الآية : 89 ] وروى الترمذيّ رحمه اللّه في حديث الشفاعة أنهم يأتون إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيقولون له اشفع لنا فيقول : لست لها إني كذبت ثلاث كذبات ، ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ما منها كذبة إلّا ما حل بها وفي رواية
هامش
( 1 ) حديث الشفاعة أخرجه البخاري 3340 و 3361 و 4712 ومسلم 194 والترمذي 2434 وأحمد 2 / 435 - 436 وابن أبي عاصم في السنّة 811 من حديث أبي هريرة .