تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
. . .
شرح
( قلت ) هذه شبهة قوية ويؤيدها أنّ مثل هذه المعاريض صدرت منه عليه الصلاة والسلام في مواضع كقوله « من ماء » ولم يقل أحد إنه مشكل محتاج للتأويل ويمكن دفعها بأن يقال هي من المعاريض الصادقة ولكنها لما كانت مبنية على لين العريكة مع الأعداء دفعا لضررهم ، ومثله ممن تكفل اللّه بعصمته وحمايته يناسبه مبارزة أعدائه بالمكروه بذلا لنفسه في سبيل اللّه أو دخولا في حفظ حصن اللّه ، فلعدوله عما يليق بمقامه ثمة عدّ ذلك لشدّة خوفه ، أو تواضعه ذنبا وسماه كذبا لأنه على صورة الكذب خوفا من وخامة مداراة أعدائه ، وما وقع من النبيّ عليه الصلاة والسلام لم يقع في مثل هذا المقام حتى يستحيى منه ، فإنّ لكل مقام مقالا وقد حام حول الحمى من قال : إنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام قصد براءة ساحة الخليل صلّى اللّه عليه وسلّم ، فجعلها معاريض جادل بها عن الدين والخليل لمح برتبة الشفاعة وأنها مختصة بالحبيب صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتجوز في الكذبات ، أو هو من هول ذلك اليوم واهتمامهم بشأن أنفسهم دفعهم بذلك ، فتأمله . ( فإن قلت ) إذا كان للفظ معنيان سواء كانا حقيقيين ، أو لا وهو باعتبار أحدهما مطابق مطابقة تصيره صادقا على أيّ الأقوال اعتبرته فيه ، وباعتبار الآخر غير مطابق ، فهل المعتبر من ذلك ما قصده المتكلم أو ما ظهر منه أو أيهما كان ، أو هو يوصف بالصدق والكذب باعتبارين ، أو لا يوصف فتثبت الواسطة . ( قلت ) الظاهر أنّ المعتبر ما قصده المتكلم قصدا جاريا على قانون التكلم ، ولذا قال السكاكيّ مرجع الخبرية واحتمال الصدق والكذب إلى حكم المخبر الذي يحكمه في خبره ، سواء كان فائدة الخبر أو لازمها ، فإذا طابق حكمه الواقع كان صدقا على الأصح لا على مذهب النظام كما يسبق إلى بعض الأوهام . واعلم أنّ ظاهر كلام المصنّف ، وغيره هنا أنّ المعاريض لا تعدّ كذبا ، وهو الموافق لما مرّ في الحديث من أنّ فيها مندوحة عن الكذب ، وحينئذ فلا بدّ فيها من قرينة على المراد وإن كانت خفية لأنها الفارقة بين الكذب وغيره ، كما صرّح به السكاكيّ ، إلّا أنّ قول الزمخشريّ في سورة الصافات الصحيح أنّ الكذب حرام إلّا إذا عرّض ظاهر في أنه من الكذب المستثنى إلّا أن يجعل منقطعا ، وما في شرح الآثار للطحاوي أنّ ما روي في الحديث « لا يصلح الكذب إلّا في ثلاث : إصلاح بين الناس ، وكذب الرجل لامرأته ليرضيها ، وكذب في الحرب » « 1 » في
هامش
( 1 ) أخرجه ابن عدي في الكامل 1 / 40 و 7 / 245 من طريقين من حديث عائشة ، وقال ابن عدي عن الطريق الأولى : وهذا الحديث غريب من حديث الثوري . وأعلّ الطريقة الثانية بيحيى بن خليف السعدي ، وهو منكر الحديث . وللحديث شواهد منها ما أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الكذب 34 من حديث أسماء بنت يزيد -