الكذب في صورته سمي به
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
[ سورة البقرة ، الآية : 11 ]
شرح
كلامه ومعرض كلامه بحذف الألف ، وفي حديث عمر رضي اللّه عنه « أما في المعاريض ما يغني المسلم عن الكذب » « 1 » وتسمية المعاريض كذبا من حيث مظنة السامع وهي صدق من حيث يقوله القائل وهي التورية والكناية اه ومن الناس من ظنّ أنّ التعريض هنا بمعناه المصطلح ، فخبط خبط عشواء وأطال من غير طائل ، وفي كلام الشريف ما يوهمه وللّه در المحقق حيث فسره بأن يشار بالكلام إلى جانب ويعرض منه جانب آخر ومن لم يتفطن له قال ذكر المحقق الشريف أنّ الكلام لا يكون مستعملا في المعنى التعريضي أصلا بل في غيره مع إشارة إليه بقرينة السوق ، وعليه ظاهر تفسير قوله تعالىفِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ[ سورة البقرة ، الآية :
235 ] الآية فإذا أريد بقولهإِنِّي سَقِيمٌ[ سورة الصافات ، الآية : 89 ] سأسقم لا يتحقق التعريض ، فإنه لا يمكن إرادة ذلك إلّا بطريق الاستعمال ، فإنه لا دلالة لسياق الكلام وسباقه عليه كما في صورة التعريض ، وكذا الحال فيما إذا حمل قوله هذه أختي على الأخوة في الدين لا في النسب ، اللهم إلّا أن لا يراد بالتعريض هنا ما هو المصطلح المشهور بين الجمهور بل ما فيه خفاء في أداء المراد من الكلام على ما في الأذكار من أنّ التورية ، والتعريض معناهما أن تطلق لفظا ظاهرا في معنى ، وتريد معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ ، ولكنه خلاف ظاهره اه . قوله :
( لما شابه الكذب في صورته سمي به ) ، فإطلاق الكذب بطريق الاستعارة لمشابهتها الكذب من حيث كونها في الظاهر إخبارا غير مطابقة للواقع لا ، كما تسمى صورة الإنسان المنقوشة إنسانا لكنها في التحقيق تعريضات ، والغرض من قولهإِنِّي سَقِيمٌأنه سيسقم لما علم من ذلك بأمارة النجوم ، أو أنه سقيم أي متألم بما يجد من الغيظ ، والحنق باتخاذهم النجوم آلهة ، ومن قولهبَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْالتنبيه على أنّ من لم يقدر على دفع المضرّة عن نفسه كيف يدفعها عن غيره فكيف يصلح إلها ، ومن هذه أختي إخوة الدين تخلصا من الظالم ، ومنهذا رَبِّي *الفرض ، أو الحكاية تنبيها على خطيئتهم في ادعاء ألوهيتها مع قيام دليل الحدوث ، وسيأتي تحقيقه في محله .
( فإن قلت ) كيف يقول الخليل عليه الصلاة والسلام يوم القيامة إني كذبت وأنا لما صدر مني الذنب أستحيي من أن أقوم شافعا بين يدي اللّه ، فإنّ ما في الدنيا إن كان من المعاريض فليس بكذب ، ويكون قوله ثلاث كذبات مخالفا للواقع ، ومثله لا يستحيا منه ، فيقعوا فيما فرّوا منه وإن لم يكن كذلك يكن وقع منه الكذب في الدنيا ، وهو مناف لعصمته صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا بدّ من أحد هذين الأمرين ، وهذا هو الذي جسر الإمام على الطعن في الحديث وتكذيب راويه لتوهمه لأنه أخف من نسبة الكذب إلى الخليل عليه الصلاة والسلام .
هامش
( 1 ) انظر الحديث المتقدم .