لأنهم كانوا يكذبون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بقلوبهم وإذا خلوا إلى شياطين دينهم ، أو من كذب الذي هو للمبالغة ، أو التكثير مثل بين الشيء ومؤنت البهائم ، أو من كذب الوحشي إذا جرى
شرح
لهم ، ثم إنّ الباء في قوله بسببه وببدله كالباء في قولهم معنى كتبت بالقلم باستعانته ومعنى دخلت عليه بثياب السفر بمصاحبة ثيابه إلى غير ذلك ، فإنهم كثيرا ما يجعلون الباء بين الحرف وبين ما يدلّ عليه .
( قلت ) البدلية والمقابلة متقاربان ، والثانية تدخل على الأثمان وما في معناها وجعل كذبهم بمنزلة الثمن مبنيّ على التهكم ولا يخفى خفاؤه هنا ، وأمّا دخول الباء بين الحرف ومدلوله فالظاهر أنه للملابسة بينهما ، فلا يتوهم أنه معنى آخر حتى يقال لم يقل أحد أنّ من معاني الباء التفسير ، ثم إنّ قوله بما كانوا يكذبون صفة لعذاب لا لأليم ، كما قاله أبو البقاء رحمه اللّه ، لأنّ الأصل في الصفة أن لا توصف .
وقال قدّس سرّه : كلمة كان في النظم للدلالة على الاستمرار في الأزمنة ، وقولهم آمنا إخبار بإحداثهم الإيمان فيما مضى ولو جعل إنشاء للإيمان كان متضمنا للاخبار بصدوره عنهم .
فقيل : الدلالة على الاستمرار والانقطاع ليست بمعتبرة وضعا في معنى كان بل هو مستفاد من القرينة ، والمقصود دفع ما يتوهم من المنافاة بين لفظي كان ، ويكذبون لدلالة الأوّل على انتساب الكذب إليهم في الماضي والثاني على انتسابه في الحال والاستقبال ، فالزمان فيهما مختلف فما وجه الجمع بينهما ، فدفعت بأن كان دالة على الاستمرار في جميع الأزمنة ويكذبون دلّ على الاستمرار التجدّدي الداخل في جميع الأزمنة اه ، وما ذكره من المنافاة توهم فاسد فإنه مستفيض في أخبار الأفعال الناقصة ، كأصبح يقول كذا أو كادت تزيغ قلوب فريق منهم والاستعمال مستمر عليه لأنّ معناه أنه في الماضي كان مستمرا متجدّدا بتعاقب الأمثال ، وللمضي والاستقبال بالنسبة لزمان الحكم ، وقد عدّ العلماء الاستمرار من معاني كان ، كما في التسهيل فتدبر . قوله : ( وقرأ الباقون إلخ ) أي قرأه باقي السبعة بالتشديد من كذبه المتعدي والتضعيف للتعدية ومفعوله مقدّر وهو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يذكر إجلالا له عن أن يواجهه بالتكذيب ، وقيل إنه لرعاية الفاصلة ، أو لقصد التعميم إذ كان التقدير يكذبون ما جاء به أي جميع ما جاء به مما يلزم تصديقه فيه أو للاختصار ، أو لأنّ العناد وتكذيب الرسول كانا من شأن اليهود ، ولما كانوا غير مجاهرين بالتكذيب والكفر وإلّا لم يكونوا منافقين حمله على التكذيب بقلوبهم ، أو بدون مواجهة المؤمنين بل مع شياطينهم وهو مجاز عن رؤسائهم وعقلائهم ، وفي نسخة شطارهم جمع شاطر وهو من أعيا أهله خبثا والمراد به ما ذكر مجازا أيضا أو كناية أي يكذبونه بقلوبهم دائما وبألسنتهمإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْفقوله وإذا خلوا معطوف على قوله : بقلوبهم بتقدير وبألسنتهم إذا إلخ . قوله : ( أو من كذب الذي هو للمبالغة إلخ ) فهو لازم بلا تقدير والتفعيل حينئذ إمّا للمبالغة لقوة كذبهم وتصميمهم عليه كبين بمعنى