شوطا ووقف لينظر ما وراءه ، فإن المنافق متحير متردّد ، والكذب هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به ، وهو حرام كله لأنه علل به استحقاق العذاب حيث رتب عليه وما روي أنّ
شرح
تبين الوارد في كلامهم بمعنى كمال ظهور الشيء واتضاحه ، أو للتكثير دلالة على كثرة الفاعل كما في قولهم موتت البهائم جمع بهيمة وهي معروفة ، وقيل إنهم ذهبوا إلى أنّ الكثرة في موتت لتعذر تكثر الفعل بالنسبة لكل واحد ، وهنا ليس كذلك فيرج إلى الوجه الذي قبله من المبالغة إلّا أن يقال المبالغة بالنسبة إلى ذات الكذب في نفسه ، والكثرة بالنسبة لتعدّده ، فحقيقة الأمرين راجعة إلى القوّة والكثرة ، وتغايرهما ظاهر فسقط ما قيل من أنّ عطف التكثير على المبالغة بأو الفاصلة ليس كما ينبغي ، وقد يكون التكثير في المفعول كقطعت الأثواب ، وكذب الوحشي قيل إنه على هذا مجاز مأخوذ من كذب المتعدي ، كأنه يكذب رأيه وظنه ، فيقف لينظر ما وراءه ولما كثر استعماله في هذا المعنى وكانت حالة المنافق شبيهة بهذا جاز أن يستعار منه لها ، ولا يخفى ما فيه من التكلف ، وأنّ كونه متعديا بحسب الأصل غير موافق لما نحن بصدده فتدبر . قوله : ( الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به ) الخبر هنا بمعنى الاخبار ، وهو أحد معنييه قال الراغب في كتاب الذريعة : ذهب كثير من المتكلمين إلى أنّ الصدق يحسن لعينه ، والكذب يقبح لعينه .
وقال كثير من الحكماء والمتصوّفة أنّ الكذب يقبح لما يتعلق به من المضارّ الخالصة ، والصدق يحسن لما يتعلق به من المنافع الخالصة لأنّ شيئا من الأقول والأفعال لا يقبح ويحسن لذاته اه . وقوله : ( على خلاف ما هو به ) أي ما هو متلبس به في نفسه وحد ذاته في الواقع ونفس الأمر ، أو في اعتقاد المخاطب ، وفي ذهنه فكلامه صادق على المذاهب ففيه إيجاز حسن . قوله : ( وهو حرام كله إلخ ) قيل عليه إنه تبع فيه الزمخشريّ ، وهو مبنيّ على مذهب المعتزلة في التحسين والتقبيح المقتضي لأن يكون حراما لعينه كما مرّ ، ولذا قال : وهو قبيح كله وعدل عنه المصنّف والمصرّح به في كتب الشافعية المعتمدة أنّ من الكذب ما هو حرام وما هو مباح ، وما هو مندوب وما هو واجب وقد ورد الحديث بجوازه في ثلاثة مواطن في الحرب ، وإصلاح ذات البين وكذب الرجل لامرأته ليرضيها « 1 » وهو مرويّ في الصحيحين ، والسنن كما فصله النووي في أذكاره ، وفيه تفصيل قاله الغزاليّ وهو أنّ كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا ، فالكذب فيه حرام لعدم الحاجة إليه فإن لم يمكن إلّا بالكذب ، فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا وواجب إن كان واجبا فلو اختفى مسلم من ظالم وسأل عنه وجب الكذب بإخفائه وكذا لو سأل عن ماله ليأخذه ولو
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 2605 ح 102 وأبو داود 4921 من حديث أم كلثوم بنت عقبة وفيه « وقالت ولم أسمعه يرخّص في شيء مما يقول الناس ، إلا في ثلاث : الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها .