كان أبلغ منه إذا جاء بلا مقابلة معارض ومبار استصحبت ذلك ، ويعضده قراءة من قرأ يخدعون ، وكان غرضهم في ذلك أن يدفعوا عن أنفسهم ما يطرق به من سواهم من الكفرة ، وأن يفعل بهم ما يفعل بالمؤمنين من الإكرام والإعطاء ، وأن يختلطوا بالمسلمين فيطلعوا على أسرارهم ، ويذيعوها إلى منابذيهم إلى غير ذلك من الأغراض والمقاصد
وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
قراءة نافع وابن كثير ، وأبي عمرو ، والمعنى أنّ دائرة الخداع راجعة
شرح
عن لازم معناه ، وهو المبالغة وبقي على ما كان عليه ، ولم يزل ، وهو معنى قوله استصحبت أي الزنة ، وفي نسخة استصحب لأنها بمعنى الوزن وفي نسخة بدل قوله : لما كانت للمغالبة للمبالغة ، وهو من طغيان القلم ، والخدع مجاز أيضا يجري فيه الكلام السابق لا الثالث لاحتياجه للتكلف ، فصيغة المفاعلة المحوّلة عن الثلاثي يتجوّز بها عن المبالغة في الفعل لما قرّره المصنف وغيره هنا ، وقد يتجوّز بها أيضا عن إيجاد فعل فيما يقبله بتنزيل قبوله منزلة فعله ، كما في قولهم : عالج الطبيب المريض وسيأتي تفصيله ، والمباراة بالموحدة والراء المهملة من قولهم باراه إذا فعل مثل فعله وعارضه فيه ليغلبه ، وحينئذ تقوي دواعي الفعل فيجيء أتم وأقوى . وقوله : ( ويعضده ) أي يؤيده ويقوّيه من عضدته بمعنى أعنته ، وأصله صرت له عضدا والقراءة المذكورة مروية عن ابن مسعود وأبي حيوة . قوله : ( وكان غرضهم إلخ ) بين الغرض من جهة المنافقين ، وهو صونهم أنفسهم وتحصيل منافعهم ، والاطلاع على أحوالهم وأسرارهم ، وترك الجانب الآخر ، وقد بينه في الكشاف بأنّ فيه مصالح وحكما إلهية بحيث لو ترك أدّى إلى مفاسد كثيرة ، وما يطرق به ما عبارة عن القتل والغارة ونحوهما ، وضمير به للموصول ، ومن مفعول يطرق أو فاعل ، والمفعول محذوف أي يطرقهم ، أو هو مجهول من طرقه الزمان بمصائبه إذا أصابه بها وأصله الإتيان ليلا ، والإذاعة بالذال المعجمة والعين المهملة الإظهار ، والمنابذة إظهار العداوة كأنّ كلا ينبذ لصاحبه ما في قلبه من العداوة أو ينبذ إليه عهده . قوله : ( قراءة نافع ) أي يخادعون بالألف هنا كالسابقة قراءة هؤلاء ، فقرأه بضمير الغيبة للفظ يخادعون المعلوم لفظا ورسما أو بتاء تأنيث أي هذه قراءة إلخ . قوله : ( والمعنى أنّ دائرة الخدع إلخ ) الدائرة اسم لما يحيط بالشيء ويدور حوله ، والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية ، لأنّ الدائرة في الأصل اسم فاعل أو للتأنيث والمراد بها هنا ما يترتب على خداعهم من الضرر ، لأنّ الدائرة تقال في المكروه مقابلة للدولة قال تعالىنَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ[ سورة المائدة ، الآية : 52 ] قيل كما أنّ المحاط لا يتجاوز المحيط كذلك العلة لا تتجاوز عن المعلول فقوله وضررها إلخ تفسير له ، ويحيق بمعنى يصيب ، وينزل وهو إشارة إلى قولهوَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ[ سورة فاطر ، الآية : 43 ] ولما كان معنى يخادعون السابق ما مرّ خطر ببال الواقف عليه ، أنّ هذا الخداع هل هو كذلك على الوجوه السابقة أم لا ، وكيف يكون المرء مخادعا لنفسه وما معناه فوجهه المصنّف رحمه اللّه بقوله والمعنى إلخ وهو معنى ما في الكشاف من أنّ المراد ، وما يعاملون تلك المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلّا أنفسهم ، لأنّ ضررها