تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
أنفسهم حيث حدثتهم بالأماني الفارغة ، وحملتهم على مخادعة من لا يخفى عليه خافية ، وقرأ الباقون وما يخدعون لأن المخادعة لا تتصوّر إلا بين اثنين وقرئ يخدّعون من خدّع ،
شرح
مبنيّ على أنه عين الخداع السابق ، وهذا مبنيّ على أنه خداع آخر جار بينهم وبين أنفسهم للتغاير الاعتباري ، فيخدعون أنفسهم بإيهامها الأباطيل والأكاذيب ، وأنه سيتفرع على ذلك أمور مهمة ، وأغراض مطلوبة ، وهي تنخدع بذلك وتطمئن حتى تخدعهم بخرافات الأماني ، والأماني بتخفيف الياء وتشديدها جمع أمنية ، والفارغة بمعنى الخالية عن الفائدة مجازا ، فكانوا كمن اشتدّ عطشه ، فاستسقى من ناوله كوزا فارغا ليرويه ، والخاء فيه بمعنى الخفية ، وغير قوله في الكشاف : أن يراد حقيقة المخادعة ، لأنّ حقيقة الخداع إنما تكون بين اثنين بإيهام الغير خلاف ما يخفيه من المكروه ليزله عما هو بصدده كما مرّ ، ولا يمكن اعتبارها بين الشخص ونفسه إلّا بتنزيل المغايرة الاعتبارية منزلة الحقيقية إلى غير ذلك من التكلفات التي ارتكبوها في الشروح ، والمصنّف رحمه اللّه أراد هذا المعنى على سبيل التجوّز ، ومنهم من فسر النظم الكريم بأنه مبالغة في امتناع خداعهم للّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين ، لأنه كما لا يخفى خداع المخادع على نفسه ، فيمتنع خداعه لها يمتنع خداع اللّه لأنه لا يخفى عليه خافية ، وخداع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين ، لأنه تعالى يخبرهم به ، أو هو كناية عن أنّ مخالفتهم ، ومعاداتهم مع اللّه والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين معاملة مع أنفسهم ، لأنّ اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين ينفعونهم كأنفسهم ، ولا يخفى بعده . قوله : ( لأنّ المخادعة لا تتصوّر إلّا بين اثنين ) يعني أنه مفاعلة تقتضي حقيقة اثنين مخادع ومخادع ، ولا يكفي لتحقق حقيقته المغايرة الاعتبارية كما مرّ ، وما قيل عليه : من أنّ الخدع بل كل متعدّ يقتضي اثنين ، فهذا ترجيح بغير مرجح وفرق بدون فارق ودفعه بأنه لا بدّ للشركة في الخداع من اثنين متغايرين بالذات بخلاف الخدع ، فإنه يكفي فيه المغايرة بين الفاعل والمفعول بالاعتبار كما في معالجة الطبيب نفسه ، وعلم الشخص بنفسه ليس بشيء أمّا السؤال ، فلأنّ مراده أنّ باب المفاعلة يقتضي ذلك وضعا وعقلا ، وأمّا تغاير الفاعل والمفعول فليس وضعيا ، وإنما هو بحسب الاقتضاء ، ولذا جاز في أفعال القلوب ، وما ألحق بها اتحاد الفاعل والمفعول ، وأمّا الجواب فلأنّ المعالجة مفاعلة محتاجة إلى التأويل كما مرّ ، والعلم مستثنى من هذه القاعدة لجواز تعلق علم المرء بنفسه ، والمقصود من هذا بيان ترجيح هذه القراءة على الأخرى واختيار القارئ لها على غيرها بعد ثبوت الرواية الصحيحة فيهما فلا يرد عليه أنّ القراءة إنما هي بالسماع من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لا بالرأي ومقتضى العقل وحسن الظنّ بالسلف يدفع مثله كما لا يخفى ، ثم إنّ من الشرّاح من قال في تقرير قوله خدعوا أنفسهم : أنه على طريقة التجريد مثل ما يجري بين المرء ونفسه من تحديث كل منهما صاحبه بالأحاديث ، فيجرّدون من أنفسهم أشخاصا يخادعونهم كما يخادعون الغير ويخاطبونهم كقول المتنبي :لا خيل عندك تهديها ولا مال * فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 489 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي