إليهم ، وضررها يحيق بهم أوانهم في ذلك خدعوا أنفسهم لما غروها بذلك ، وخدعتهم
شرح
يلحقهم ومكرها يحيق بهم ، كما تقول فلان يضارّ فلانا ، وما يضارّ إلّا نفسه أي دائرة الضرر راجعة إليه وغير متخطية إياه إلى آخر ما ذكره من الوجوه الثلاثة ، وفي التعبير بالدائرة لطف لأنها خط مستدير تتساوى جميع الخطوط الخارجة عن مركزه إليه ، وإذا رسم يختم من حيث ابتدئ ، ولما كان الخداع ابتداء منهم ثم عاد إليهم كان كالدائرة الرسمية ، وعلى هذا يجوز أن تكون دائرة الخداع استعارة مكنية مخيلة ، لأنّ خداعهم كأنه دائرة آخرها أوّلها ، وهذا مما أغفلوه فلا تكن من الغافلين ، وقد اختلف شراح الكشاف في مراده ، فقيل إنه مشاكلة للمستعار السابق كما نقل عن الواحديّ أي لما كان خداع أنفسهم بمعنى إيصال الضرر إليها مسببا عن تلك المخادعة المشبهة بمعاملة المخادعين ومصاحبا لها قيل : يخادعون ، فجاء باللفظ على اللفظ ، ولا يخفى أنّ كون المشاكل ، والمشاكل مجازا بعيد جدا وقيل جعل مخادعة الصاحب عين مخادعة نفسه نظرا إلى المآل ، وهذا نوع من المجاز كثير الدور في كلام العرب وغيرهم ، ولا يختص بباب المفاعلة كقولهم قصد مساءة زيد ، وما قصد إلّا نفسه ، وهو من باب تسمية الشيء باسم ما يؤدى إليه ، وفيه ملاحظة السببية والانتهاء إليه ، ففي الكلام مجاز على مجاز ، وليس المجاز هنا بمعنى مجاز الأول المشهور بل الغاية المسببة لا أنه يؤل إليه ، كما نبه عليه بعض الفضلاء ، وقيل : إنه إشارة إلى تطبيقه على أوّل الوجوه الأربعة ، وتلخيصه أنّ المخادعة استعيرت للمعاملة الجارية فيما بينهم وبين اللّه والمؤمنين المشبهة بمعاملة المخادعين ، فقصرت هذه المعاملة ههنا على أنفسهم بعد تعليقها بما علقت به سابقا بناء على أنّ ضررها عائد إليهم لا يتعدّاهم ، ونظيرها فلان يضار فلانا وما يضار إلّا نفسه ، ولا يختص هذا بالمفاعلة ولا بلغة العرب ، فالعبارة الدالة على قصر تلك المعاملة مجاز أو كناية عن انحصار ضررها فيهم ، أو يجعل لفظ الخداع المستعار مجازا مرسلا عن ضرره في المرتبة الثانية ، ويمكن أن يقال لما انحصرت نتيجة تلك المعاملة فيهم جاز أن يدّعى أنّ نفس تلك المعاملة مقصورة عليهم ، ويكون حينئذ انحصار ضررها فيهم مفهوما تبعا لا قصدا ، فلا حاجة إلى تجوّز أو كناية ، وفي كلامه إشارة إليه ولك أن تطبقه على الوجوه الباقية ، وأورد عليه أنه لا فائدة في انحصار المعاملة فيهم بل في انحصار الضرر ، فجعل الثاني مقصودا تبعا والأوّل ملحوظا قصدا تحكم ، ألا ترى أنّ المحققين اعتبروا في الكناية تبعية القصد في المكنى به ، وأصالته في المكنى عنه فتأمل حق التأمل لتعرف أنه غير وارد عليه ، فإن قلت إنهم جوّزوا هنا المجاز بمرتبتين من غير نكير وقد اشترطوا فيه أن يشتهر المجاز الأوّل حتى يلتحق بالحقيقة ليصح الانتقال عنه بدون الغاز قلت : الظاهر أنّ الاشتراط المذكور وإنما هو إذا لم يكن المجاز الأوّل مذكورا صريحا في الكلام ، فإنّ ذكره يغني عن شهرته لحصول المراد به ، ولم يلتفتوا هنا للمشاكلة مع ظهورها ، وسهولة مأخذها حتى رجحها بعضهم على بقية الوجوه لما مرّ ، فإن لم تر ذلك محذورا ، فقل كل يعمل على شاكلته ، وإن شئت على مشاكلته . قوله : ( أو أنهم في ذلك إلخ ) الوجه الماضي