والإخدعان لعرقين خفيين في العنق والمخادعة تكون بين اثنين ، وخداعهم مع اللّه سبحانه وتعالى ليس على ظاهره ، لأنه لا يخفى عليه خافية ، ولأنهم لم يقصدوا خديعته بل المراد
شرح
ذكر ، وهو الإخفاء لتعديه في أكثر معانيه فإنّ المنافق يخفي مقصده والضبّ يخفي مخرجه ، وما قيل من أنّ الظاهر أن يقول الخفاء فإنّ أهل اللغة يقولون : أخدع إخداعا بمعنى أخفى إخفاء ، فيكون خدع بمعنى خفي لا وجه له أصلا وقال ابن عطية : أصله الفساد ، وحكى ما ذكره المصنّف رحمه اللّه بصيغة التمريض ، وكلام الراغب يوهم أنّ أصل معناه التلوّن . وقوله : ( ومنه المخدع للخزانة ) أي مما أخذ من الخدع بمعنى الإخفاء المخدع بتثليث الميم كما في المصباح وفتح الدال ، وقال الراغب : المخدع بيت في بيت كأنّ بانيه جعله خادعا لمن رام تناول ما فيه وقالوا أصله الضم وكسر لتوهم أنه آلة ، والخزانة بكسر أوّله ما يخبأ فيه المتاع ، ولذا قيل الخزانة لا تفتح ، والأخدعان تثنية أخدع ، وهما عرقان في جانبي العنق وشعبة من الوريد تخفي وتظهر ، فلذا توهم فيهما الخداع فسميا بذلك ويطلق على جانب العنق مجازا . قوله :
( والمخادعة تكون بين اثنين إلخ ) المعروف في المفاعلة أن يفعل كل أحد بالآخر مثل ما يفعله به ، فصيغة المخادعة تقتضي أن يصدر من كل واحد من الجانبين فعل يتعلق بالآخر ، وخدع المنافقين للّه ، وهو أن يوقعوا في علمه خلاف ما يريدونه به من المكروه ، ويصيبونه مما لا خفاء في استحالته لأنه لا تخفى عليه خافية ، وخدع اللّه إياهم بأن يوقع في أوهامهم خلاف ما يريدون من المكاره ليغتروا ، ثم يصيبهم به لا يصدر منه تعالى أمّا عند المعتزلة ، فلأنه قبيح بناء على أصلهم الفاسد ، ولذا ترك المصنّف رحمه اللّه التعرّض له وأمّا عندنا معاشر أهل السنة فلأنه يمتنع أن ينسب إليه تعالى حقيقة لما يوهمه ظاهره من أنه إنما يكون عن عجز عن المكافحة ، وإظهار المكتوم لأنه المعهود منه في الإطلاق كما ذكره في الانتصاف ، ولذا زيد في تفسير الخدع مع استشعار خوف ، أو استحياء من المجاهرة ، وأيضا من المعلوم أنّ حاله تعالى مع المنافقين لم يكن حقيقة هذا المعنى المذكور ، وأنّ المؤمنين وإن جاز أن يخدعوا من غير أن يرجع إليهم في ذلك نقصان لم يجز أن يقصدوا خدعهم ، فإنه غير مستحسن بل مذموم مستهجن وقوله وخداعهم لم يقل فخداعهم بالفاء التفريعية لأنه ليس علة لما قبله ، كما لا يخفى ولا معلولا له لأنه علله بقوله لأنه إلخ فلا وجه لما قيل من أنه كان الظاهر أن يقول :
فخداعهم لتفرّعه على ما قبله مع أنه لو صح ، فالمصنّف رحمه اللّه لم يقصده لخفائه . قوله :
( لأنه لا يخفى عليه خافية إلخ ) لما اقتضت المفاعلة أنّ المنافقين يخدعون اللّه وأنّ اللّه يخدعهم ، وكل منهما غير مراد وغير مستقيم أمّا الثاني فظاهر ، وأمّا الأوّل فلأنه تعالى لا يخفى عليه خافية ، فكيف يخدعه غيره ، والمنافقون عالمون بذلك أيضا لأنهم من أهل الكتاب .
وقوله : ( ولأنهم لم يقصدوا خديعته ) إشارة لهذا فإنهم إذا تحققوا أنه لا يخدع بالضم لم يقصدوه إذ العاقل لا يقصد ما تحقق امتناعه ولذا قال في شرح التأويلات لا أحد يقصد مخادعة اللّه مع إقراره بأنه خالقه ، ولئن سألتهم من خلقهم ليقولهنّ اللّه ، وهذا كما قاله بعض الفضلاء