ولذلك أكد النفي بالباء وأطلق الإيمان على معنى أنهم ليسوا من الإيمان في شيء ويحتمل أن يقيد بما قيدوا به لأنه جوابه والآية تدلّ على أن من ادّعى الإيمان وخالف قلبه لسانه بالاعتقاد لم يكن مؤمنا لأن من تفوه بالشهادتين فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه لم يكن
شرح
وهذا الإخراج مستفاد من إيلاء الضمير حرف النفي ، كما قرّرناه لك فلا يرد عليه أنه إنما يفيد ذلك لو كان النظم من المؤمنين وليس كذلك وبينهما فرق ظاهر . وقوله في التفسير الكبير :
نظيره أنّ من قال : فلان ناظر في المسئلة الفلانية ، فإن قلت : إنه لم يناظر فيها فقد كذبته ، وأمّا لو قلت أنه ليس من المناظرين فقد بالغت في تكذيبه يعني أنه ليس من هذا الجنس ، فكيف يظنّ به ذلك ، فكذا ههنا إن أراد أنهما سواء معنى لم يصح وإن أراد أنه يشبهه ، وإن لم يكن منه صح ومن لم يتنبه له أورده هنا فتدبر . قوله : ( وأطلق الإيمان إلخ ) الظاهر المطابق لما في الكشاف أنه ابتداء كلام لفائدة مستقلة ويجوز جعله متعلقا بقوله ولذلك أي لأجل التأكيد أتى به مطلقا عما قيدوه من الإيمان باللّه واليوم الآخر ، لأنّ نفي المطلق يستزلم نفي المقيد لعمومه ، كما أشار إليه بقوله ليسوا من الإيمان في شيء فهو أبلغ وآكد وحينئذ إمّا أن ينزل منزلة اللازم أو يحذف مفعوله للعموم المذكور ، ولما كان التقدير محتملا هنا بقرينة وقوعه في جواب المقيد ذكره مؤخرا إيماء لمرجوحيته ، ثم إنّ من الإطلاق أيضا ذكره باسم الفاعل الذي ليس بمقيد بزمان ، فيشمل نفيه جميع الأزمان ، ولو قيل ما آمنوا كان لنفي الإيمان في الماضي ، والمقصود أنهم ليسوا متلبسين بشيء من الإيمان في شيء من الأوقات ، وفي كلام المصنّف رحمه اللّه إشارة إلى هذا ولم يصرّح به كما في البحر لظهوره . وقوله : ( بما قيدوا به ) الظاهر أنّ لفظ قيدوا مبنيّ للمعلوم ، وتقييدهم بناء على الظاهر المتبادر منه من أنه للتخصيص ، فإذا كان ادّعاء لحيازة جميع أجزاء الإيمان من جوانبه فهو بحسب ظاهره تقييد ، أو هو تقييد بجميع ما صدق عليه ، فلا وجه لما قيل من أنه حينئذ ليس بتقييد مطلقا ، فإنه إطلاق على إطلاق وتقييد على تقييد ، فالأولى أن يقرأ قوله بما قيدوا به على صيغة المجهول ، ولا يخفى ما فيه فتأمّل .
قوله : ( والآية تدلّ على أنّ من ادّعى الإيمان إلخ ) مذهب الكرامية أنّ الإيمان هو التصديق باللسان فقط ، لكنهم قالوا : إن طابق القلب ، فهو مؤمن ناج ، وإلّا فهو مؤمن مخلد في النار ولذا قيل ليس للكرامية خلاف في المعنى ، والإمام تبعا للماتريدي في التأويلات استدل بهذه الآية على إبطال مذهبهم لأنها إخبار عنهم بأنهم قالوا ذلك بألسنتهم وأظهروا خلاف ما في قلوبهم ، وقد قال تعالى إنهم ليسوا بمؤمنين فهذه الآية ونحوها تدلّ على أنّ الإيمان تصديق القلب وحده ، أو مع اللسان فكيف يقول الكرامية إنه التصديق اللساني فقط وردّه المصنّف رحمه اللّه بأنّ الآية إنما تدل على أنّ من ادّعى الإيمان بلسانه ، وخالف لسانه قلبه ليس مؤمنا أمّا على تقدير كون تعريف الناس للعهد ، فظاهر لأنهم من المختوم على قلوبهم وأمّا على أنها للجنس فلأنّ اللّه كذبهم وليس ذلك إلّا لعدم مطابقة التصديق القلبي للساني ، فلا يدل على أنّ من أقرّ بلسانه ، وليس في قلبه ما يوافقه ، أو ينافيه ليس بمؤمن وهو محل النزاع ، فكيف يكون