عما هو بصدده من قولهم خدع الضبّ إذا توارى في حجره وضب خادع وخدع إذا أوهم الحارش إقباله عليه ثم خرج من باب آخر وأصله الإخفاء ، ومنه المخدع للخزانة ،
شرح
على الموجه نحوه القصد بحيث لا يتأتى ذلك النيل أو الإصابة بدونه إذ لو تأتى لزم فوت غرض آخر حسب تصوّره والغنيّ عن كل نيل وإصابة واستجرار منفعة لنفسه لا يصح عليه ذلك ، وهو متعال عن العمل واستحضار المقدّمات ، وأمّا أنه لا يخدع ، فهو أظهر لأنه جلّ عن أن يحوم حول سرادقات جلاله نقص الانفعال وخفاء معلوم مّا عليه اه . فعلى هذا يكون الحرب خدعة وخدعة الأب البار لولده واستدراج بعض الناس إلى الخير مجاز ، وهذا ردّ على ما قيل من أنّ من الخداع ما يكون حسنا . قوله : ( عما هو فيه أو عما هو بصدده ) هكذا صححه أرباب الحواشي ووقع في نسخة عندي عما هو بصدده ، وكأنه من إسقاط النساخ وصدد بفتحتين بمعنى القرب يقال هو بصدد كذا إذا تصدّى لفعله وقرب من تناوله أي لتصرفه عن مطلوبه الحاصل له ، أو عن مطلوبه الذي هو بصدد تحصيله فمعنى الخداع الإيهام المذكور مع قصد الإزلال سواء حصل إزلاله أم لا ، ولا يرد عليه ما قيل من أنّ الظاهر أنّ الإزلال بالفعل معتبر في معنى الخداع في عرف العامّة ، كما يدل عليه ما بعده لأنّ ما ذكره على تقدير صحته لا ينافي ما ذكره المصنّف رحمه اللّه في معناه لغة وحقيقة ، كما لا يخفى وأوهم يتعدّى إلى مفعولين يقال : أوهمته الشيء أهمه أوقعته في خلده ، وأوهمنيه غيري ووهمنيه . قوله : ( من قولهم خدع الضبّ إذا إلخ ) الضبّ حيوان معروف ، وخدع الضبّ بمعنى توارى واختفى وضب خادع وخدع بفتح فكسر بزنة حذر وكتف مبالغة خادع ، والحارش من الحرش ، وهو صيد الضب خاصة وحارش الضباب يحرك يده على حجره ليظنه حية فيخرج ذنبه ليضربها فيؤخذ .
وقولهم : هو يحترش لعياله أي يكتسب مجاز منه فلا يرد يرد عليه كما توهم وخداع الضب لأنه يتخذ لحجره منافذ يسترها ، ويرقق سترها فإذا رأى حارشه أوهمه أنه يقبل عليه ، ثم يخرق إحدى منافذه ويخرج منها ، وفي الصحاح والنافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها ، وهو موضع يرققه فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه ، فانتفق أي خرج والجمع النوافق والنفقة أيضا مثال الهمزة النافقاء تقول منه نفق اليربوع تنفيقا ونافق أي أخذ في نافقائه ومنه اشتقاق المنافق في الدين اه . وبهذا عرفت موضع الخداع من المنافق فإنّ له هنا موقعا يذوقه من شمّ رائحة الإعجاز وقال الراغب خدع الضب استتر في جحره ، واستعمال ذلك فيه لما اعتقدوا من أنه يعدّ عقربا يلدغ من يدخل يده في جحره حتى قيل العقرب بوّاب الضب وحاجبه ، ولاعتقاد الخديعة فيه قيل أخدع من ضبّ ، وقوله من باب آخر إشارة إلى ما ذكرناه من أنه يتخذ لجحره منافذ متعدّدة وقلت فيه :خدّام المرء وصاحبه * في لؤم الطبع يناسبهوالعقرب قالوا في مثل * بوّاب الضبّ وحاجبهوقوله : وأصله الإخفاء يعني أنّ معنى الخداع لغة ما مرّ وأصل معناه بحسب اشتقاقه ما