الجنة لا يدخلها غيرهم ، وأنّ النار لن تمسهم إلا أياما معدودة وغيرها ، ويرون المؤمنين أنهم آمنوا مثل إيمانهم ، وبيان لتضاعف خبثهم ، وإفراطهم في كفرهم لأنّ ما قالوه لو صدر عنهم ، لا على وجه الخداع والنفاق وعقيدتهم عقيدتهم ، لم يكن إيمانا ، فكيف وقد قالوه تمويها على المسلمين وتهكما بهم ، وفي تكرير الباء ادّعاء الإيمان بكل واحد على الأصالة والاستحكام ، والقول هو التلفظ بما يفيد ، ويقال بمعنى المقول ، وللمعنى المتصوّر في
شرح
ذمّهم وهو حق فعلم أنّ ظاهره غير مراد وهذا هو الوجه الثالث ، وهو بالنظر إلى الحكاية ، ولذا صدّره بالإيذان ونفاقهم فيما ذكر لأنهم أظهروا الإيمان بما ذكر وظنوا الإخلاص فيه ، وما في ضمائرهم لا يوافق ما أظهروه ، فهو ضرب من النفاق لعدم موافقة ظاهره لباطنه لأنهم كانوا قبل إظهار الإسلام يهودا فإيمانهم كلا إيمان لقولهم بتشبيه اللّه بغيره المستلزم للتجسيم ، وقول آبائهماجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ[ سورة الأعراف ، الآية : 138 ] ونسبة الولد له بقولهم عزير ابن اللّه فإقرارهم بالآخرة كلا إقرار لزعمهم أنه لا يدخل الجنّة إلّا من كان هودا أو نصارى وأنّ النار لن تمسهم إلّا أياما معدودة قليلة ، واعتقادهم أنّ أهل الجنّة يتنعمون باستنشاق نسيم الروائح بدون أكل وشرب ، ومع ذلك يظهرون أنهم يؤمنون ، كما نؤمن فإخلاصهم بحسب زعمهم ونفاقهم باعتبار نفس الأمر ، لأنّ النفاق مخالفة الباطن للظاهر فلا يتوهم أنه لا يتصوّر اجتماع الإخلاص والنفاق ، وهم منافقون حقيقة ويهود اسم جنس جمعيّ ليهوديّ ، وهو مما يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة أو بياء النسبة كزنج وزنجيّ ، وأمّا يهود مفردا فعلم للقبيلة غير منصرف ويرون بضم الياء من الإراءة أي يظهرون لهم . قوله : ( وبيان لتضاعف خبثهم إلخ ) التضاعف والإفراط الزيادة ، وهذا الوجه هو الرابع ، وهو متعلق بالحكاية ويجوز تعلقه بالمحكي أيضا ، والمراد أنهم قصدوا بتخصيص الإيمان بهما التعريض بعدم الإيمان بغيرهما من رسالة خاتم الرسل صلّى اللّه عليه وسلّم وما بلغه ولذا سماه كفرا ، ومن خلط فيه أنهم مع إثبات الصانع يصفونه بما هو منزه عنه لم يصب لأنه يول بالآخرة لما قبله ، وهذا حينئذ لو قصد حقيقته لم يكن إيمانا لأنه لا بدّ من الإقرار بنبوّته صلّى اللّه عليه وسلّم وإبطال ما كانوا عليه فكيف ، وهو مخادعة وتلبيس منهم . وقوله : ( وعقيدتهم عقيدتهم إلخ ) جملة حالية أي معروفة مشهورة كقوله شعري شعري وجوز نصب الأوّل عطفا على اسم أنّ والظاهر الأوّل ، وتمويه بمعنى تلبيس وإظهار لما لا حقيقة له من قولهم موهت الشيء إذا طليته بماء الذهب أو الفضة ، وقول مموّه أي مزخرف ممزوج من الحق والباطل . قوله : ( وفي تكرير الباء إلخ ) يعني أنه عدل عن الظاهر ، وهو عدم إعادة الجار إذا عطف على اسم ظاهر مثله ، وهو الأظهر الأخصر ، لأنهم لمخادعتهم وتلبيسهم أظهروا أنّ إيمانهم إيمان تفصيليّ مؤكد قوي ، لأنّ إعادة العامل تقتضي أن متعلقه كالمعد ، كما قاله سيبويه في نحو مررت بزيد وبعمرو ، فيفيد ما ذكر وهو ظاهر . قوله : ( والقول إلخ ) هو في الأصل مصدر كما أشار إليه المصنّف رحمه اللّه بقوله التلفظ ، وأمّا تخصيصه بالمفيد ، فهو أحد الأقوال في مسماه لغة فإن أريد بها مطلق الإفادة