تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
إليه ، ومعنى التنكير في الآية إنّ على أبصارهم نوع غشاء ليس مما يتعارفه الناس ، وهو التعامي عن آيات اللّه سبحانه وتعالى ، ولهم من الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا اللّه سبحانه وتعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ
لما افتتح سبحانه وتعالى
شرح
فيهما فوق الكبير ، فناسب الوصف به دونه وقد تبعهم الإمام في تفسيره هنا ، وهو مخالف لما ذكره في أوائله في قوله في الحديث القدسي : « الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري » « 1 » حيث جعل الكبرياء قائمة مقام الرداء والعظمة مقام الإزار ، وقد علم أنّ الرداء أرفع من الإزار فوجب أن يكون صفة الكبر أرفع من العظمة لأنّ الكبير هو الكبير في ذاته سواء استكبره غيره أم لا ، وأمّا العظمة فعبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره ، وإذا كان كذلك كانت الصفة الأولى ذاتية وأشرف من الثانية ، وهو مناف لما ارتضاه هنا فتدبر . قوله : ( ومعنى التنكير إلخ ) زاد قوله في الآية إشارة إلى شمول ما ذكره المصنّف رحمه اللّه تبعا للعلامة لتنكير غشاوة وعذاب فهو توطئة لما بعده ، فالتنكير فيهما للنوعية والمعنى أنّ عذاب الآخرة نوع من العذاب غير متعارف كعذاب الدنيا ، وجعل صاحب المفتاح التنوين للتهويل ، وفسره بالتعظيم وقد رجح كلا من المسلكين طائفة وكل حزب بما لديهم فرحون ، وقد قيل الأقسام أربعة هي أنّ التنوين إمّا للنوعية أو للتهويل ، وهما شديدا التناسب ، وإمّا أن يكون الأوّل للنوعية والثاني للتهويل ، وهو أيضا بليغ ، أو على العكس وهو مرجوح ، واختار التعامي على العمى تنبيها على أنّ ذلك من سوء اختيارهم وشآمة إصرارهم على إنكارهم ، لأنه كتجاهل إذا أظهر من نفسه الجهل ، وعلى التعظيم معناه غشاوة أيّ غشاوة ، والقول بأنه أنسب بقوله عظيم معارض بالمثل ، لأنّ حمله على التنويع أظهر لاستفادة التعظيم من صريحه وحمله على التأكيد لا حاجة إليه ، والآلام بالمدّ جمع ألم إشارة إلى العذاب ، كما أنّ العظام جمع عظيم إشارة لصفته . وقوله : ( لا يعلم إلخ ) إشارة إلى أنّ عظمه ، وتفخيمه لإيهامه حتى كأنه مما لا يوقف على كنهه كما فيالْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ[ سورة الحاقة ، الآية : 1 ] . قوله : ( نوع غشاء ) هذا معنى قوله في الكشاف : نوعا من الأغطية غير ما يتعارفه الناس ، وهذا النوع هو المعنى المجازي الذي مرّ تقريره ، وقيل الظاهر منه أن يراد بالغشاوة بواسطة التنكير نوع من المعنى المجازي أي غطاء التعامي وكأنّ وجهه أن تحمل الغشاوة على عموم المجاز وفيه بعد جدّا ، والظاهر أن يراد مجازا بالغشاوة غطاء اللّه تعالى فيراد بالتنكير نوع منه ، ثم الظاهر أن يحمل التنكير على النوعية والتعظيم معا ، كما حمل على التكثير والتعظيم معا في قوله تعالىفَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ[ سورة فاطر ، الآية : 4 ] اه . ولا يخفى أنّ ما ذكره تكلف لما لا حاجة إليه ، وأمّا حمل التنكير عليهما فمتجه لأنّ مآل التنويع للتعظيم أيضا لإفادته الإبهام الدال عليه ، ولا فرق بين المسلكين إلّا في العبارة وفي كلامهم
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 2620 والبخاري في الأدب المفرد 552 وأبو داود 4090 وابن ماجة 4174 وأحمد 2 / 248 و 376 و 414 وابن حبان 328 والطيالسي 2387 من حديث أبي هريرة .
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 461 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي