بيان لما يستحقونه والعذاب كالنكال بناء ، ومعنى تقول عذب عن الشيء ، ونكل عنه إذا أمسك ومنه الماء العذب لأنه يقمع العطش ويردعه ، ولذلك سمي نقاخا وفراتا ، ثم اتسع فأطلق على كل ألم فادح ، وإن لم يكن نكالا أي عقابا يراد به ردع الجاني عن المعاودة ، فهو أعم منهما وقيل اشتقاقه من التعذيب الذي هو إزالة العذب كالتقذية والتمريض .
شرح
وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ[ سورة الأنعام ، الآية : 2 ] وسيأتي تفصيله ويجوز أن يقال تقديمه للتخصيص ، وقيل إنه تهويل لما يستحقونه من القتل والأسر في الدنيا والعذاب الدائم في العقبى ، ومن وجوه تهويله بيان أنّ ما يستحقونه من العذاب مخصوص بهم فلا يعذب عذابهم أحد ، ولا يوثق وثاقهم أحد . قوله : ( والعذاب كالنكال إلخ ) أمّا اتحادهما في البناء ، وهو الوزن فظاهر ، وأما في المعنى فبينه بقوله تقول إلخ . وقد اختلفوا في أصله ، فقيل إنه من قولهم عذب الرجل إذا ترك الأكل والشرب والنوم ، فالتعذيب حمله على أن يجوع ويظمأ ويسهر ، وحاصله الإمساك ومنه العذب لمنعه من العطش كما قيل :ما بال ريقك ليس ملحا طعمه * ويزيدني عطشا إذا ما ذقتهويقمع بمعنى يزيل ، وأصل معنى القمع الكف والردع والمنع والزجر ، ونقاخ كغراب الماء البارد العذب الصافي بنون وقاف وخاء معجمة آخره وكذا الفرات ، وفي الكشاف ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخا لأنه ينقخ العطش أي يكسره ، وفراتا لأنه يرفته على القلب أي يفتته ويكسره ، وعلى القلب وزنه عفال إلّا أنه قيل عليه إنه تعسف لأنه لم يرد رفات بمعنى فرات قط ، وقد يقال مراده أنه يلاحظ فيه معنى اعتبره الواضع حتى إذا لم يوجد صريحا تصرفوا في مادّته بتقدير التقديم والتأخير ، فليس قلبا حقيقيا وهذا كثيرا ما يذكره في العين والتهذيب ، ولبعده توهم بعضهم أنّ القلب فيه بمعنى الجارحة ، ولا وجه له وقال ابن الصائغ : إنه لم يرده ولكنه أوهمه ، كما يقال للثقيل خفيف على القلب ، وأمّا كون الرفت الكسر والمذكور أوّلا المنع وبينهما فرق فقد دفع بأنّ الكسر يعبر به عن المنع كما يقال كسر سورته إذا كفها ، فبينهما مناسبة أو الردع مؤثر ، ولا تأثير أعظم من الكسر . قوله : ( ثم اتسع فأطلق على كل ألم فادح إلخ ) اتسع مبنيّ للمجهول وأصله اتسع فيه فهو كمشترك ، ولو قرئ معلوما جاز لكن الأوّل أولى والفادح اسم فاعل من فدح بفاء ، ودال وحاء مهملتين بمعنى مثقل ، والمراد مؤلم شاق مطلقا وإن لم يكن مانعا رادعا .
وقال السخاوندي العذاب إيصال الألم إلى الحيّ مع الهوان فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب . وقوله : ( فهو أعمّ منهما ) ذهب كثير إلى أنّ ضمير التثنية للنكال والعقاب ، لأنّ النكال ما كان رادعا ، والعقاب بمعناه ، أو هو ما يجازى به كعقاب الآخرة والعذاب أعم إذ هو ما يؤلم مطلقا فيشمل عذاب البهائم والأطفال وغيرهما وقيل معناه أعم مما يكون نكالا وما لا يكون نكالا لوجوده في كل منهما بدون الآخر ، ومن أرجع الضمير إلى العقاب فقد زاغ عن سنن