على الجملة الفعلية ، وقرئ بالنصب على تقدير ، وجعل على أبصارهم غشاوة ، أو على حذف الجار وإيصال الختم بنفسه إليه ، والمعنى وختم على أبصارهم بغشاوة وقرئ بالضم
شرح
خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ[ سورة آل عمران ، الآية :
190 ] فمن لا لبّ له لا ينظر نظر استبصار في الأنفس ، والآفاق بخلاف عدم التصديق وعدم الإصغاء للنذر فإنه متجدّد فيهم قديما وحديثا ، فدل النظم على أنهم ، كما لم يمتثلوا أوامر الرسول لم يجروا على مقتضى العقول لخبث طينتهم والطبع على طويتهم ، وهذا هو السر في التعبير بالغشاوة الخلقية في العين ، وهذا من بدئع التنزيل ، التي ينبغي العض عليها بنواجذ التعويل . قوله : ( وقرئ بالنصب إلخ ) هذه القراءات كلها شواذ إلّا المشهورة منها ، وهي غشاوة بكسر الغين المعجمة مع الألف بعد الشين والرفع ولذا عبر المصنّف بقرئ المجهول ، والنصب نصب غشاوة المكسور أوّله .
وقال قدّس سرّه لا بدّ في النصب مطلقا من تقدير فعل كجعل وأحدث على طريقة قوله :علفتها تبنا وماء بارداوفيه مناقشات منها أنه قيل عليه : إنه يدفعه قول المصنّف وغيره أنه على حذف الجار ، وأيضا أنه يحتمل كما في البحر أن يكون غشاوة اسما وضع موضع مصدر من معنى ختم ، كقعدت جلوسا لأنّ معنى ختم غشي وستر ، فكأنه قيل تغشية على سبيل التأكيد ويكون قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوما عليها مغشاة ، وأيضا ليس هو من قبيل ، علفتها تبنا وماء باردا ، سواء قدر فيه جعل أو انتصب على نزع الخافض لأنّ الغشاوة ليست مما يختم عليه كالقلب والسمع بل مما يختم به وبين المختوم عليه والمختوم به فرق ظاهر وقد صرّح به في الجاثية في قوله تعالىأَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ[ سورة الجاثية ، الآية : 23 ] فجعل البصر مختوما عليه بالغشاوة ، فإن قلت هل في تغاير أسلوب ما هنا ، وثمة نكتة غير التفنن ، فإنه عكازة أعمى . قلت : لما ذكر هنا الكتب السماوية وهداية من اهتدى بها من المؤمنين ، وهم السعداء أزلا وأبدا ، ثم عقبهم بأضدادهم الذين لم يفدهم الإنذار أصلا بين ذلك وعلله بأنّ مشاعرهم مجبولة على الغواية ، وعدم قبول الحق وأفاد أنّ بصرهم وبصيرتهم مستمرّة ثابتة على عدم نظر الآيات البينات قبل الدعوة وبعدها ، فلذا عدل فيها إلى الاسمية ، أو ترك التصريح بالفعل ، وثمة ذكر من عرف الحق ، ثم عدل عنه كأهل الكتاب الذين لما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فناسب التصريح بتجدّد الغشاوة ولذا صدرت بقوله أفرأيت وقدّم السمع فيها ، وما قيل من أنه في الجاثية قصد بيان عدم قبول النصح وعدم المبالاة بالمواعظ الواصلة إليهم حينا بعد حين فناسب الفعل الدال على التجدّد لا يصلح وجها لمدعاه ، فإن قوله تعالىسَواءٌ عَلَيْهِمْإلخ أدلّ على ما ذكره لصراحته فيه ، كما لا يخفى فهذا غفلة أو تغافل .