تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
الآية : 37 ] وإنما جاز امالتها مع الصاد لأن الراء المكسورة تغلب المستعلية ، لما فيها من
شرح
به أنّ المرجع إليه لكن ذهب عليه أنه كلام مبنيّ على تخييل أن من لا ينتفع بقلبه فلا ينظر ولا يعي بمنزلة من عدم قلبه جملة ، كما في قول الرجل : غاب عني عقلي ، ولم يحضرني يريد أن يخيل إلى السامع أنه غاب عنه قلبه بجملته ، ويريد أنه لم يكن علمه هناك ، وكذا إذا قال : لم أكن هناك يريد غفلته عن شيء فهو يضع كلامه على التخييل ، وفي الإيضاح : كلام الشيخ حق لأنّ المراد بالآية الحثّ على النظر والتقريع على تركه فإن أريد بهذا التفسير أنّ المعنى ، لمن كان له عقل مطلقا ، فهو ظاهر الفساد ، وإن أراد أنّ المعنى لمن كان له عقل ينتفع به ، ويعمله فيما خلق له من النظر فتفسير القلب بالعقل ثم تقييده بما قيد به عار عن الفائدة لصحة وصف القلب بذلك بدليل قوله تعالىلَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها[ سورة الأعراف ، الآية : 179 ] . ( أقول ) هذا ليس بشيء لأنّ المقصود بصدد بيان معاني القلب لغة وبيان وجوه استعماله في النظم ، فذكر أحدها هنا تبعا لغيره كالراغب تتميما للفائدة فلا ينافي ذكره لوجه آخر ثمة وتفسيره به ، هذا بحسب جليّ النظر وأمّا بحسب دقيقه ، فالمآل واحد ، لأنّ من فسره بالعقل وسكت عن توصيفه جنح أيضا إلى ما جنح إليه الشيخ من تنزيل الموجود منزلة المعدوم لعدم غنائه ، فكأنّ من لم يتدبر لا عقل له رأسا كما أنّ الشيخ لما أبقاه على أصله وحقيقته أشار إلى أنّ من لا يعي ولا يفهم بمنزلة الجماد الذي لا قلب له ، ومن قدر الصفة نظر إلى الظاهر ، وسلك الطريق الواسع فما في الإيضاح لا وجه له نعم كلام الشيخ فيه من لطف التخييل والجري في ميدان البلاغة العربية ما لا يلحق وقد ألمّ بمثله الشعراء وعدّوه من لطيف المعاني كما قيل :قالت وقد سألت عنها كل من * لاقيته من حاضر أو باديأنا في فؤادك فارم طرفك نحوه * ترني فقلت لها وأين فؤاديوفي ذريعة الشريعة لما كان تأثير هذه القوى من الدماغ قيل مسكن الفكرة وسط الدماغ ، ومسكن الخيال مقدّمه ، ومسكن الحفظ والذكر مؤخره ، ولما كان قوام الدماغ بل الجسم كله من القلب الذي هو منشأ الحرارة الغريزية عبر الناس عن هذه القوى مرّة بالدماغ ، فقيل لمن قويت قواه المدركة له دماغ ، ولمن ضعفت فيه خالي الدماغ وتارة بالقلب ، وهو أكثر وعليه قوله تعالىإِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ[ سورة ق ، الآية : 37 ] اه . قوله : ( وإنما جاز إمالتها إلخ ) يعني أنّ الصاد حرف مستعل ، وهو عند النحاة وأهل الأداء مناف للإمالة فيمنع منها لأنها إن ينحو بالفتحة نحو الكسرة ، وبالألف نحو الياء وذلك مقتض لتسفل الصوت ، والاستعلاء مقتض لخلافه ، فوجهوه بأنّ سببه هنا الكسرة الواقعة على الراء وهو كما بينوه في مباحث مخارج الحروف ، وصفاتها حرف مكرر ، لتكرّره على اللسان في النطق به فإنه يرتعد وأظهر ما يكون التكرير إذا شدّد أو وقف عليه فكسرته بمنزلة كسرتين ، فقوي السبب حتى أزال المانع وهذا معنى ما في الكشاف من أنّ الراء المكسورة تغلب المستعلية لما فيها من التكرير