تجمع أو على تقدير مضاف مثل ، وعلى حواس سمعهم والأبصار جمع بصر وهو إدراك
شرح
واعلم أنه قال في المثل السائر إنّ مما هو من صناعة البلاغة بمنزلة عليته اختلاف الألفاظ ، فمنها ما لا يحسن استماعه إلّا مجموعا كاللب ، فلذا لم ترد في القرآن مفردة لأنّ الجمع فيها أحسن وبضدّه ما ورد مفردا ولم يرد مجموعا كالأرض ، وأمّا المصادر فالإفراد فيها هو الأحسن ومما جاء منها مجموعا قول عنترة :فإن يبرأ فلن أنفث عليه * وإن يفقد فحقّ له الفقودفهذا غير شائع ، ولا لذيذ وإن كان جائزا وكله يرجع إلى حاكم الذوق السليم ، فإن قلت : الدلالة الالتزامية من توابع الوضعية ، واللزوم معتبر فيها بالنسبة لمدلول اللفظ وضعا سواء كان لزوما عقليا ، كما اعتبره أهل الميزان أو أعمّ منه فيشمل العرفي وغيره ، كما هو عند الأدباء وأهل المعاني ، ومدلول السمع الحاسة أو فعلها كما مرّ ولا دلالة لذلك على وحدة المتعلق أو تعدّده وهذا هو الذي قصده المدقق في الكشف فما وجه ردّه قدّس سرّه . قلت :
أراد أنّ الكلام البليغ الملقى للمخاطب إذا قصد به ما اتضح دلالته عليه يعدّ تصريحا ، فإن قصد ما يستلزمه يكون كناية لزومية ، وإن لم ينشأ ذلك مما وضع له كما قرّر في شرح قول السكاكيّ إنّ إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر يسمى كناية ، وهو مما خفي على بعض شراحه ، أو نقول وحدة اللفظ تدلّ على وحدة مسماه ، وهو الحاسة ووحدتها تدلّ على قلة مدركاتها في بادئ النظر ، ومثله يكفي في اللزوم عرفا ، وقيل اعتبار البلغاء دلالة رابعة ، كما أنّ العادة طبيعة خامسة وهذا مخالف لما قرّره في شرح المفتاح فليحرّر التوفيق بينهما فإنه محتاج لمزيد تدقيق ومنه يتنبه لوجه جمع القلوب كثرة والأبصار قلة وإن كان ذلك هو المعروف في استعمال الفقهاء في جمعهما . قوله : ( والأبصار جمع بصر إلخ ) في الكشاف والبصر نور العين وهو ما يبصر به الرائي ويدرك المرئيات كما أنّ البصيرة نور القلب وهو ما به يستبصر ويتأمّل وكأنهما جوهران لطيفان خلقهما اللّه فيهما آلتين للأبصار والاستبصار ا ه . وعدل المصنّف عنه لما فيه من التطويل والخفاء ، والبصر في الأصل مصدر بمعنى إدراك العين وإحساسها ، كما في كتب اللغة ، ثم تجوّز به عن القوّة التي هي سببه وعن العين التي هي محله وشاع هذا حتى صار حقيقة في العرف لتبادره ، وهو المناسب للختم والغشاوة لتعلقهما بالأعيان ، والقوّة واحدة القوى ، وهي في العرف العام معنى يصدر به عن الحيوان أفعال شاقة وضدّها الضعف ، وعند الحكماء معنى راسخ هو مبدأ للتغيير وصدور الآثار والقوّة البصرية عندهم معنى في ملتقى العصبتين الواصلتين من الدماغ إلى الحدقتين من شأنه إدراك الألوان والأشكال وتفصيله معروف في محله ، وتحمل هذه القوى أجسام لطيفة بخارية تتكوّن من لطيف الأخلاط ، وتسمى أرواحا عند الأطباء ، واشتهر إطلاق النور عليها فيقولون في الأعشى ضعف نور بصره وفي الأعمى فقد نور بصره .
وقال الإمام الغزالي في كتاب المشكاة اسم النور بالنور الباصر أحق منه بالنور المبصر