وتعالى وختم على سمعه وقلبه وللوفاق على الوقف عليه ولإنهما لما اشتركا في الإدراك من جميع الجوانب جعل ما يمنعهما من خاص فعلهما الختم الذي يمنع من جميع الجهات وإدراك الأبصار لما اختص بجهة المقابلة جعل المانع لها عن فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة وكرّر الجار ، ليكون أدل على شدّة الختم في الموضعين ، واستقلال كل منهما
شرح
الكشاف وادعاء أنّ المصنّف قصر في تركه من قصور النظر وكيف يتوهم هذا وقد صرّح به فيما سيأتي حيث جعله مبتدأ وقال إنه من عطف الجمل فلو ذكره هنا كان تكريرا بلا فائدة . قوله :
( ولأنهما لما اشتركا ) هذا وجه آخر لاتصاله بما قبله متضمنا لسببه ، ومعناه أنّ فعل القلب ، وهو الإدراك لا يختص بجهة فمانعه يمنعه من جميع الجهات أيضا ، وإن اختص وقوعه بجانب إلّا أنه لا يتعين فجعل الختم عاما ، كمنعه وقارن السمع لأنه يدرك الأصوات من جميع الجهات :وكل قرين بالمقارن يقتديوأمّا إدراك البصر ، فلا يكون إلّا بالمحاذاة والمقابلة فجعل المانع له ما يمنع منها أيضا ، وهو الغشاوة لأنها في الغالب كذلك كغاشية السرج ، كما قال تعالىلَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ[ سورة الأعراف ، الآية : 41 ] فخصها بجهة العلوّ المقابلة ، ومثله يكفي في النكات ، ولا يضره ستره لجميع الجوانب كالإزار وقيل الغشاوة إنما تكون بين الرائي والمرئي ، فتختص بالمقابلة وهو واضح لا سترة فيه وقوله في الكشف فيه نظر لأنّ لفظ الغطاء والغشاوة لا ينبئ عن خصوص جهة المحاذاة ، فالوجه أن الغشاوة مشهورة في أمراض العين فهي أنسب بالبصر من غير حاجة لما تكلفوه يعلم ما فيه مما قدّمناه وقال : في القلب والسمع خاص فعلهما دون العين لما سيأتي وفي الانتصاف الأسماع والقلوب لما كانت مجوّفة كان استعارة الختم لها أولى والأبصار لما كانت بارزة ، وإدراكها متعلقا بظاهرها كان الغشاء بها أليق والنكات لا تتزاحم . قوله : ( وكرّر الجار إلخ ) الشدّة لأنّ الختم على الشيء وعلى ما يوصل إليه أشدّ من الختم عليه وحده أو عليهما معا فإنّ ما يوضع في خزانة إذا ختمت خزانته ، وختمت داره كان أقوى في المنع منه وأمّا الاستقلال ، فلأنّ إعادته تقتضي ملاحظة معنى الفعل المعدى به حتى كأنه ذكر مرّتين ، ولذا فرق النحاة بين مررت بزيد وعمرو ، ومررت بزيد وبعمرو بأنّ في الأوّل مرورا واحدا ، وفي الثاني مرورين والعطف ، وإن كان في قوّة إعادة العامل ليس ظاهرا في إفادته كإعادته ، لما فيه من الاحتمال وهذا معنى ما في الكشاف مع أنّ هذا أوضح وأظهر ، لأنه قال فيه : لو لم يكرر لكان انتظاما للقلوب والأسماع في تعدية واحدة وحين استجدّ للأسماع تعدية على حدة كان أدل على شدّة الختم في الموضعين اه فإنّ قوله في الموضعين إشارة إلى الاستقلال الذي صرّح به المصنّف ، وقيل : ختم يستعمل تارة متعدّيا بنفسه يقال ختمه فهو مختوم وأخرى بعلى ، فإذا عدي بعلى دل على شدّة الختم ، لأنّ زيادة اللفظ تدل على زيادة المعنى ، وليس هنا معنى مناسب سوى الشدّة ، والاستقلال لما مرّ هكذا ينبغي أن يفهم هذا