شرح
إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ[ سورة المنافقون ، الآية : 1 ] فلو لم يرد معناه الخبري لم يكذبوا ( وما قيل ) أنّ قوله على الاتساع متعلق بإرادة مطلق الحدث ، فإنها هي المبنية على التوسع والتجوّز لا إرادة اللفظ فإنها لا تجوّز فيها عند التفتازانيلا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ[ سورة الغاشية ، الآية : 7 ] لمن له أدنى تدبر وكذا قوله إنّ الفعل المضاف إليه في قولهيَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ[ سورة المائدة ، الآية : 119 ] جرد للحدث اتساعا ، فإنّ ينفع أريد به نفع فيما يستقبل من يوم القيامة فكيف لا يدلّ على الزمان وادّعاء مثله مكابرة ، ألا ترى قولهيَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ[ سورة مريم ، الآية : 33 ] وقولهوَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ[ سورة القارعة ، الآية : 5 ] فإنها ناطقة بإرادة الزمان والذي ذكره القوم إنه نظر فيه إلى المصدر ولوحظ لا أنه خص به ، وهو كالتغليب ولا يلزم من التأويل خروجه عن حقيقته كما سيأتي ، وهذا هو الميل مع المعنى ففي كلام المصنّف خال ظاهر يصدّق قولهم كم ترك الأول للآخر ، والعجب أنه لم يتنبه له شراح هذا الكتاب وقال قدّس سرّه : الفعل إذا نظر إلى لفظه واعتبر معناه على ما يقتضيه ظاهره امتنع الاخبار عنه لكن هجر ههنا مقتضى لفظه ، وأول بمعنى مصدر مضاف إلى فاعله فصح الإخبار عنه ، ولو أجرى لا تأكل السمك إلخ على ظاهره لزم عطف الاسم وهو تشرب المنصوب على الفعل بل المفرد على جملة لا محل لها ، فهو من قبيل ما هجر فيه جانب لفظه إلى معناه من حيث أنه أوّل لا تأكل السمك بما فيه اسم يصلح أن يعطف عليه أن تشرب أي لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن لا من حيث أنه جعل في تأويل مصدر على حدّ قولهأَ أَنْذَرْتَهُمْإلخ فإنّ الفرق بين ( فإن قيل ) هذه الواو بمعنى مع إذ المنهيّ هو الجمع فلو جعل ما بعدها مفعولا معه كما في ما صنعت ، وأباك استغنى عن التأويل .
( قلنا ) بل يحتاج إليه لأنّ ما بعد الواو لا يصلح لمصاحبة معمول لا تأكل بل لمصاحبة معمول فعل يمال إليه أي لا يكن منك أكل السمك مع شرب اللبن يعني أنه نظر إلى المصدر في الآية ، وفي لا تأكل إلخ وإن كان بينهما بون ، فإنّ ما نحن فيه تركت فيه الحقيقة من كل وجه وفي ذاك الجملة باقية على حالها مستعملة في معناها ، لكن هجر الأصل نظرا إلى العطف لا إلى نفسها كما في الكشف ، وهذا مما اتفق عليه الشرّاح وما ذكره من السؤال وجوابه مما سبقه إليه الفاضل المحقق وهو مخالف لما حققه الرضي في بحث الحروف حيث قال تبعا لما في ضوء المصباح : لما قصدوا معنى الجمعية فيما بعد واو الصرف نصبوا المضارع بعدها ، ليكون الصرف عن سنن الكلام المتقدّم مرشدا من أوّل الأمر إلى أنها ليست للعطف ، فهي إذن إما واو الحال وأكثر دخولها على الاسمية ، فالمضارع بعدها في تقدير مبتدأ محذوف الخبر ، وإمّا بمعنى مع ، وهي لا تدخل إلّا على الاسم فقصدوا ههنا مصاحبة الفعل للفعل فنصبوا ما بعدها ولو جعلنا الواو عاطفة للمصدر على مصدر متصيدة من الفعل قبله كما قاله النحاة لم