وإنّ من الحروف التي شابهت الفعل في عدد الحروف والبناء على الفتح ولزوم الأسماء وإعطاء معاينة والمتعدّي خاصة في دخولها على اسمين ، ولذلك أعملت عمله الفرعيّ ، وهو نصب الجزء الأوّل ، ورفع الثاني إيذانا بأنه فرع في العمل دخيل فيه ، وقال الكوفيون :
الخبر قبل دخولها كان مرفوعا بالخبرية وهي بعد باقية مقتضية للرفع قضية للاستصحاب فلا
شرح
لبيان ثواب الأخيار والثانية لذكر جزاء الأشرار مع ما فيها من الترصيع والتقابل ، لتضادّ كل من طرفي الجملتين ، وقد عدّ أهل المعاني التضادّ وشبهه جامعا يقتضي العطف ، لأنّ الوهم ينزل المتضادين منزلة المتضايفين ، فيجتهد في الجمع بينهما في الذهن حتى قالوا : إنّ الضدّ أقرب خطورا بالبال مع الضدّ من الأمثال . قوله : ( وإنّ من الحروف التي إلخ ) يعني أنها شابهت الفعل الذي هو أصل العوامل فعملت لشبهها له مادّة وهيئة ومدخولا ومعنى وعمله هو الرفع والنصب ، إلّا أنه قدم من معمولاته المرفوع لأنه عمدة وأخر المنصوب لأنه فضلة على مقتضى الأصل وعكس فيها تنبيها على فرعيتها وحطا لرتبتها وعدد الحروف ثلاثة ، وهي أقل ما ينبني عليه الفعل وبنى على الفتح آخرها ، ولزمت الأسماء ولها معان مثله كالتأكيد والاستدراك ، وهو ظاهر . وقوله : ( والمتعدّي ) بالنصب معطوف على الفعل أي وشابهت الفعل المتعدّي فيما ذكر ، وما قبله في مشابهة الفعل مطلقا ، والإيذان الإعلام ، وضمير بأنه راجع إلى الحرف المعلوم مما قبله ودخيل فيه أي ليس بأصيل في العمل لأنه عمل لمشابهته للفعل يقال هو دخيل في بني فلان إذا انتسب إليهم ولم يكن منهم ، وقال : حروف دون أحرف لأنه المشهور في جمع حرف بمعنى كلمة أو جزئها وأحرف مشهورة في الحرف بمعنى اللغة كما في الحديث « أنزل القرآن على سبعة أحرف » « 1 » وهو وإن كان جمع كثرة وهي ستة إلّا أنه بعد دخول الألف واللام بطلت جمعيته فجاز استعماله في القليل والكثير . قوله : ( كان مرفوعا بالخبرية إلخ ) فيه تسمح لأنّ العامل فيه عند الكوفيين المبتدأ أو الابتداء والباء للسببية واعتمد على شهرته وظهور المراد منه ، فاندفع ما قيل عليه من أنه لم يقل أحد إنّ العامل في الخبر الخبرية بل من نحاة الكوفة من قال : العامل في الخبر المبتدأ كما إنّ العامل في المبتدأ الخبر إذ المعنى المقتضي للرفع فيه الخبرية والعامل المبتدأ أو بقاء الخبرية باعتبار كون اسم إنّ كان مبتدأ ، وهو الآن كذلك محلا بناء على أنه لا يشترط فيه بقاء المحرز قال ابن يعيش في شرح المفصل : ذهب الكوفيون إلى أنّ هذه الحروف لم تعمل في الخبر الرفع ، وإنما تعمل في الاسم النصب لا غير والخبر مرفوع على حاله كما كان مع المبتدأ ، وهو فاسد لأنّ الابتداء قد زال وبه وبالمبتدأ كان يرتفع الخبر فلما زال العامل بطل أن يكون هذا معمولا فيه ومع ذلك فإنا وجدنا كل ما عمل في المبتدأ عمل في خبره نحو كان وأخواتها وظننت وأخواتها لما عملت في المبتدأ عملت في الخبر
هامش
( 1 ) هو بعض حديث أخرجه البخاري 2419 و 4992 و 7550 ومسلم 818 والنسائي 2 / 150 وأحمد 1 / 40 من حديث عمر .