تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
شرح
الجملة إمّا معطوفة عليها أو قيد لها وحال منها فكيف يعطف عليها ما يباينها أتم مباينة ، وقد جزم به في شرحه للمفتاح فقال : فإن قلت كيف يصح هذا العطف مع أنّ الجملة الأولى بيان حال الكتاب والثانية ليست كذلك قلت : من حيث إنّ المراد بالثانية التعريض المذكور ، فكأنه قيل : هو هدى للمتقين ، وليس هدى لليهود فالثانية في حكم صفة الكتاب وقيل : الواو للحال وليس بظاهر ، وإذا جعلت هذه الجملة من مستتبعات وصف الكتاب امتنع عطفإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواعلى ما قبله في هذا الوجه أيضا ، كما في الوجهين السابقين لا يقال : إذا كان تعريضا بكفار أهل الكتاب يكون التشنيع على الكفار مناسبا لأنا نقول المقصود حينئذ التعريض بأنهم لما لم يؤمنوا بما أنزل عليه لم يصح إيمانهم ، وهذا غير مناسب لما بعده ، وأمّا قوله تعالىوَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً[ سورة الإسراء ، الآية : 82 ] فشئ آخر وهو تصريح لا تعريض فتدبر ( ثم إنه بقي ههنا أمر لا بدّ من التعرّض له ) وهو إنّ المباينة في أسلوب الأداء وطريق التعبير السابق تقريره جعلها الزمخشريّ مقتضية لترك العطف ، ولم ينوّره أحد منهم ووجهه أنّ قولهإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواإلخ يتضمن عدم انتفاع هؤلاء الكفار بالآيات والنذر ، وهو في قوّة أن يقال إنهم لم يهتدوا بهدى هذا الكتاب وهذه جهة جامعة لو لوحظت جاز العطف كما تقول إنّ المتقين اهتدوا بنور الكتاب وإنّ الكافرين هاموا في مهامة العقاب إلّا أنه لم يلتفت لهذا ، وإنما قفصد أن ينعي حالهم ويشنع عليهم ، فنزه قدر التنزيل عن النظر إلى تعاميهم عنه ، فإنه ذنب عقابه فيهم ، وقد جعل العلامة مباينة الأسلوب كناية عن عدم الالتفات لهذه الجهة الجامعة وإليه أشار السكاكيّ بقوله ، وإن كان بينهما جامع غير ملتفت إليه لبعد المقام عنه فللّه درّه ما أبعد مرماه وأحسن مغزاه ، فمباينة الأسلوب متممة لمباينة الغرض ، ولذا أدرجها المصنّف فيها ولو صرّح بها كان أحسن ، فما قيل من أنه لم يذكر التباين في الأسلوب كما في الكشاف لأنّ التباين في الغرض هو الأصل في الفصل والتباين في الأسلوب من توابعه ، ولوازمه كما لا يخفى على المتأمّل ، ولهذا فرع صاحب الكشاف التباين في الغرض والأسلوب معا على ما يوجب التباين في الغرض فقط ، وهذا مما لم يتعرّضوا له مع لزومه ليس مما يشفي الغليل ، وإنما سكت عن تغاير الأسلوب لظهوره ، وقيل إنما لم يتعرّض له المصنّف لأنه نظر إلى أنّ العمدة في وصل الجملتين بالواو ، وهو وجود الجامع المعنوي بينهما وتناسب الجملتين في الغرض جامع معنويّ معتد به يحسن به عطف الثانية على الأولى بخلاف الأسلوب ، فإنه أمر لفظيّ وكثيرا ما يغيرون أسلوب المعطوف عن سنن المعطوف عليه لنكتة داعية إليه ، ولما كان التباين في الأسلوب غير ضارّ في العطف إذا كان بينهما جامع مصحح للعطف لم يجعل من أسلوب القطع وهذا كله غفلة عما حققنا ، فاشدد يدك عليه ولا تنظر لما بين يديه . قوله :إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ[ سورة الانفطار ، الآية : 13 ] سيأتي تفسيرها واتحاد الأسلوب فيها ظاهر وأما الجامع ، فلأنها سيقت فيها الجملة الأولى