عقبهم بأضدادهم العتاة المردة الذين لا ينفعهم الهدى ، ولا تغني عنهم الآيات والنذر ، ولم يعطف قصتهم على قصة المؤمنين كما عطف في قوله سبحانه وتعالى :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
[ سورة الانفطار ، الآية : 13 ] لتباينهما في الغرض ، فإنّ الأولى
شرح
وقال الراغب : الخالص في الأصل ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه ، والصافي قد يقال لما لا شوب فيه ، ويقال : هذا خالص وخالصة نحو واهبة وواقية اه . فالتاء فيه للمبالغة ، وخالصة أوليائه من اشتدّ إخلاصه للّه من صالح عباده المتقين وفي نسخة خلاصة وهو قريب منه ، والمراد بصفاتهم ما تضمنته الآية من قوله المتقين إلى قوله أولئك وأهله أي جعله أهلا أي مستحقا من قولهم هو أهل لكذا أي خليق وجدير ، والهدى في الدنيا والفلاح في العقبى لأنهم السعداء في الدارين ، وهذا معنى قولهأُولئِكَ عَلى هُدىًإلخ . قوله : ( عقبهم بأضدادهم إلخ ) جواب لما يقال عقبه تعقيبا إذا جاء بعده من العقب وهو مؤخر القدم ، والأضداد جمع ضدّ والضدّان المتنافيان اللذان تحت جنس واحد كالبياض والسواد ، فإن لم يندرجا تحت جنس كالحلاوة والحركة لم يكونا متضادّين قال الراغب : الضدّ أحد المتقابلين المختلفين اللذين كل واحد منهما قبالة الآخر ولا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد ، وذلك أربعة أشياء الضدّان كالبياض والسواد والمتضايفان كالضعف والنصف ، والوجود والعدم كالبصر والعمى ، والإيجاب والسلب ، وكثير من المتكلمين ، وأهل اللغة يجعلونها كلها متضادّة إلى آخر ما فصله ، والعتاة جمع عات من عتا إذا استكبر وجاوز الحدّ والمردة كفسقة جمع مارد ، وقد فسروه بالعاتي والظاهر أن يفسر بما هو شديد العتوّ حتى يكون من الترقي . وقوله الذين لا ينفعهم إلخ بيان لما به التضاد لأنّ الأوّلين على هدى مؤمنين بالآيات ، وهؤلاء بخلافه وإجمال لحال هؤلاء توطئة لما بعده مع ما فيه من الإشارة إلى ارتباطه بم قبله حتى جاء على عقبه من غير فاصل فإنه لا بدّ منه ، وإن لم يكن مصححا للعطف ، والنذر بضمتين جمع نذير . قوله :
( ولم يعطف قصتهم إلخ ) في الكشاف ليس وزان ما هنا وزان نحو قولهإِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ[ سورة الانفطار ، الآية : 13 ] لأنّ الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب وأنه هدى للمتقين ، وسيقت الثانية لأنّ الكفار من صفتهم كيت وكيت فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب ، وهما على حدّ لا مجال فيه للعاطف فيه ، وهذا إذا كان الذين يؤمنون جاريا على المتقين ، وكذا إذا كان مبتدأ فالاستئناف مبنيّ على تقدير سؤال ، فذلك إدراج له في حكم المتقين وجعله تابعا له في المعنى ، وإن كان مبتدأ في اللفظ ، فهو في الحقيقة كالجاري عليه ، وذكر السكاكي في الفصل والوصل فيما ترك عطفه للانقطاع ، وإن كان بينهما جامع غير ملتفت إليه لبعد المقام عنه فقال من هذا القبيل قطع إنّ الذين كفروا عما قبله ، ليكون ما قبله حديثا عن القرآن ، وأنّ من شأنه كيت وكيت وهذا حديث عن الكفار وتصميمهم في كفرهم ، والفصل لازم للانقطاع فالعطف في مثله برز في معرض التوخي للجمع بين الضبّ والنون ، وقال قدّس سرّه : تباينهما في الفرض لأنّ المقصود من الجملة الأولى بيان اتصاف الكتاب بغاية الكمال في الهداية تقريرا لكونه يقينا لا مجال للشك فيه ، وتحقيقا لكماله في