تنبيه : تأمّل كيف نبه سبحانه وتعالى على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد من وجوه شتى : بناء الكلام على اسم الإشارة ، للتعليل مع الإيجاز وتكريره ، وتعريف الخبر ، وتوسيط الفصل لإظهار قدرهم ، والترغيب في اقتفاء أثرهم ، وقد تشبث به الوعيدية في
شرح
الرضي ، ولا يسمع إنكاره كما في بعض شروح المغني فكأنه لأنّ المراد الثبات على الفلاح ، فهو حينئذ مما غلب عليه الاسمية أو ألحق بالصفة المشبهة ، وتخريجه على مذهب المازني بعيد ، وما ذكر صرح به المبرد في الكامل كما بيناه في نكت المغني . قوله : ( تنبيه تأمّل إلخ ) التنبيه مصدر نبهه من نومه إذا أيقظه ، وهو في اصطلاح المصنفين ترجمة كالمسئلة لما يعلم مما قبله لا بطريق التصريح أو لما يدرك بأدنى إشارة والتفات إليه حتى كأنه مما غفل عنه ، وهو إمّا معرب خبر مبتدأ مقدّر ونحوه أو ساكن موقوف غير معرب كالأسماء المعدودة لأنه لم يقصد تركيبه ، وتأمّل أمر من التأمّل يقال تأمّلت الشيء إذا تدبرته ، وهو إعادتك النظر فيه مرّة بعد أخرى حتى تعرفه وقوله كيف نبه كيف في الأصل للاستفهام عن الأحوال ، فيقال : كيف زيد أي على أيّ حال ، وقال الأستاذ ابن كمال قد تكون كيف اسما للحال من غير معنى السؤال فتجرّد لجزء معناها وهو المراد هنا ، ومنه ما حكاه قطرب عن بعض العرب انظر إلى كيف تصنع أي إلى حال صنعك اه . ويتجوّز بها أيضا عن التعجب كقولهكَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ[ سورة البقرة ، الآية : 28 ] وقد يقال إنه المراد هنا أي ما أحسن ما نبه فتكون معمولة لنبه مقدّمة عليه باقية على صدارتها ، وقد جوّز بعض النحاة في أمثاله خروجه عن الصدارة ، فهو حينئذ معمول لتأمّل ولذا قيل معناه تأمّل كيفية تنبيه اللّه تعالى ، فانسلخ عنها معنى الاستفهام للظرفية ، أو هي مفعول به كما وقعت مضافا إليها في قول البخاري رحمه اللّه باب كيف كان بدء الوحي ، وعبارة الكشاف ، فانظر كيف فقال قدّس سرّه : لما كان النظر وسيلة إلى العلم كان متضمنا لمعناه فجاز إيقاعه على الاستفهام ، وكذا التأمّل هنا أنه معلق هنا كما يعلق العلم إلّا أنه تسمح في العبارة ، وقوله بنيل متعلق باختصاص ، من وجوه متعلق بنيل ، وشتى بمعنى متفرّقة مفرد أو جمع شتيت والوجوه أربعة : الأوّل منها متعلق بالجملتين والباقي مختص بالجملة الثانية ، وقيل كلها متعلقة بالجملة الثانية ، ويصح في قوله بناء الجرّ والرفع والنصب ، وإفادة اسم الإشارة للتعليل بدخول الصفات فيه كما مرّ وبناء الخبر على الصفة ونحوها قد يشعر بالعلية ، والإيجاز بدلالتها على ما فصل قبلها ويفيد أيضا الاختصاص وقوله وتكريره معطوف على بناء ، ويجوز في هذا أن يكون مشتركا أيضا لأنّ التكرير يكون بمعنى مجموع الذكرين أيضا كما يكون للثاني والأوّل وقد سبق تفصيله ، وتعريف الخبر الدال على الحصر أو المبالغة بجعلهم عين الحقيقة ، وتوسيط الفصل الدال على الحصر أو التأكيد . قوله : ( لإظهار قدرهم ) تعليل للتعريف والتوسيط ، وقدر بسكون الدال وهو الأكثر وتفتح ، وهو الموازن لأثرهم الواقع في أكثر النسخ وفي بعضها آثارهم بالجمع والمراد بالقدر شرفهم وأصله مقدار الشيء ومبلغه قال في المصباح :
قدر الشيء ساكن الدال والفتح لغة مبلغه يقال : هذا قدر هذا وقدره أي مماثله ويقال ما له عندي قدر ، ولا قدر أي حرمة ووقار اه والاقتفاء الاتباع والاقتداء . وقوله : ( في اقتفاء ) متعلق