. . .
شرح
يتصوّر في خاطره شيئا لم يره ، ولم يعلمه ثم يجريه مجرى ما علمه ، وإنما قال ذلك لأنّ دعوى كون زيد عين حقيقة الأسدية مثلا إنما تتأتى إذا صوّرت تلك الحقيقة في الوهم بصورة تناسب تلك الدعوى ، فإنها لو تركت على حالها لم يكن ادّعاء كون زيد متحدا بها مستحسنا فتبين أنّ تعريف الخبر بهذا المعنى تعريف جنسي اعتبر معه تصوّر الحقيقة بصورة وهمية توصلا إلى دعوى الاتحاد فهو من فروع الجنس كما يحمل على الكمال كيف لا ، وتعريف اللام منحصر في العهد والجنس .
( فإن قلت ) ظهور الاتصاف بمضمون الخبر ليس شيئا منهما .
( قلت ) هو راجع إلى الجنس أيضا كأنه بعدما جعل خبرا عرّفه باللام إشارة إلى حضور الجنس في الذهن من حيث أنه صفة للمخبر عنه ، وهذا معنى ظهور اتصافه به واختار المصنّف رحمه اللّه في المفلحين دعوى الاتحاد على حصر الجنس لأنه ألطف وأبلغ . وقوله : ( لا يعدون إلخ ) تأكيد للاتحاد لا بيان لحصر المبتدأ في الخبر ، كما توهم فإنه مخالف للقاعدة المقرّرة من أنّ تعريف الخبر الجنسي يفيد قصره على المبتدأ لا عكسه ، وإن أشعر به كلام الفائق في تفسير ، فإنّ اللّه هو الدهر بأنّ اللّه هو الجالب للحوادث لا غيره الجالب ( فإن قيل ) إن ادّعى أنّ المتقين عين حقيقة المفلحين لم يتصوّر هناك حصر أصلا ، فكيف يستعمل فيه الفصل ( قلنا ) يجرّد حينئذ لتمييز الخبر عن النعت وتأكيد الحكم معا أو لأحدهما ، وكذا الكرم هو التقوى أي لا كرم إلّا التقوى .
( أقول ) هذا المقام قد انسحبت فيه أذيال الكلام ، ولم يكشف عن وجوه مخدّراته اللثام ، فإنّ السعد لما خالف الشراح وادعى أنه نوع آخر من التعريف لم يعينه ، ولم يبين أنه أيّ معنى هو من معاني أل المحصورة في العربية ، والشريف لما قال إنه لتعريف الجنس إلّا أنه حصر فيه لم يعرج على مراد الشيخ ، فإنه بالغ في وصفه بالدقة وقال : إنه من عجيب الشأن له مكان من الفخامة والنبل ، وهو من سحر البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه ومجرّد تعريف الجنس معنى مكشوف ينادي عليه في الطرق ادخل السوق واشتر اللحم ، وهو أوّل ما يشترى وأيضا تمثيلهم بهل عرفت الأسد خفاؤه أشدّ وأشدّ ، وهذا مما لم يظهر لي حاله ، ولم يتضح مع إمعان النظر إشكاله .
( فأعلم ) أنّ الشيخ نوّر اللّه مرقده ذكر قبيله أنّ الخبر المعرّف بلام الجنس فيه ثلاثة وجوه .
( الأوّل ) أن يقصر الجنس على المخبر عنه لقصد المبالغة نحو زيد هو الجواد أي الكامل في الجود إلّا أنك تخرجه في صورة توهم أنه لا يوجد إلّا فيه لعدم الاعتداد بغيره .
( الثاني ) أن يقصر جنس المعنى الذي تفيده بالخبر على المخبر عنه ، لا على عدم الاعتداد بغيره بل على دعوى أنه لا يوجد إلّا منه ولا يكون إلّا إذا قيد بشيء يخصصه ، ويجعله