تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
شرح
في السعداء بالمراتب لاشعاره بالعلوّ والرفعة لأنه من رتب بمعنى انتصب قائما كما في الفائق ، وفي الأشقياء بالمنازل لأنه من النزول ، وهو الانحطاط المقابل به كما قيل : درج الجنة ودرك النار ، والفرق بين التوجيهين قد مرّ ، وقيل : مبنى الأوّل على اشتمال ألفاظه باعتباره جميع أجزائها والثاني على اشتمالها باعتبار ما هو دعامتها ولو عكس كان أظهر ، ولذا قيل : إنّ الأوّل بيان لاشتمالها على ما يستفاد منه أصول المعاني القرآنية وأساس مقاصدها . والثاني لاشتمالها على جملة مقاصده المستفادة من تلك الأصول وكونها أما على هذا لتأخر التفصيل عن الإجمال تأخر الولد عن الأمّ ، كما قيل في أمّ القرى وقيل إنّ هذا التوجيه متضمن لوجه تسميتها فاتحة أيضا لأن ما يدلّ على الشيء إجمالا حقه أن يكون فاتحة ، كعنوان الكتاب الدال على ما فيه ، ويدل عليه عطف قوله وتسمى ، وذكر المبدإ بعد المفتتح والمنشأ بعد الأصل ، والتأسيس أولى من التأكيد مع مناسبة ألفاظه للفتح لفظا ومعنى ، والمبدإ لللامّ ، ولا يخفى ما فيه من التكلف مع أنه قد اعترف بما ينافيه وقد علم مما ذكرناه ضعف ما قيل : من أنّ ما ذكر هنا مستفاد من الوجه السابق لأنّ الحكم ، وهي الأحكام الاعتقادية تستفاد من إجراء صفات الكمال عليه تعالى ، والأحكام العملية من تفاصيل التكاليف المشار إليها بالتعبد ، والاطلاع المذكور من الوعد والوعيد ، ونوقش بأن الاطلاع من قبيل العلم والمعاني معلومات فكيف يعدّ منها ، ودفع بأنّ المراد به الاطلاع بقرينة السياق وقال بعض المدققين : لا يخفى ما في جعل الثناء مقابلا للتعبد أي التكليف بالعبادة ، والوعد والوعيد من عدم المناسبة ، وأيضا لا يظهر من الدليل جعل الثناء مقصودا أصليا من الكتاب بل المقصود معرفته تعالى وقد أشير إليها بقولهرَبِّ الْعالَمِينَأي موجدهم ومربيهم ، وأبعد منه جعل الوعد والوعيد مقصودين وهما مقحمان باعثان على العبادة ، وقد عرفت مما قدمناه الجواب عنه ، وبقي هنا وجوه أخر لم نسودّ بها وجه القرطاس ، فإن قلت اشتمال الفاتحة على جميع المعاني القرآنية مناف لما في الحديث من أنها تعدل ثلثي « 1 » القرآن قلت : إن صح فلا منافاة ، لأنّ الإجمال لا يساوي التفصيل فزيادة مبانيه تنزل منزلة ثلث آخر في الثواب ، ومن العجب ما قيل هنا من أنّ ذلك لاشتمالها على دلالة التضمن والالتزام ، وهما ثلثا الدلالات ، وقيل الحقوق ثلاثة حق الحق على العبد وعكسه ، وحق العبد على العبد ، وقد تضمنت الأوّلين فلذا جعلت ثلثيه . قوله : ( وسورة الكنز الخ ) لذلك أي لاشتمالها على مقاصد القرآن ، أو جملة معانيه التي هي كالجواهر النفيسة المكنوزة لأنها ذخر المعاد ، والسعادة الأبدية فتفي ، وتكفي في ذلك ، وقيل سميت وافية لأنها لا تنصف في الصلاة كغيرها وكافية لأنها تكفي المصلي دون غيرها ، وهذه الألفاظ كلها
هامش
( 1 ) « فاتحة الكتاب تعدل ثلثي القرآن » ذكره السيوطي في الدر 1 / 23 من حديثا بن عباس وقال : أخرجه عبد بن حميد في مسنده بسند ضعيف .