تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
الصفات يقتضي كل واحدة من الاثرتين ، وإن كلا منهما كاف في تمييزهم بها عن غيرهم ووسط العاطف لاختلاف مفهوم الجملتين ههنا بخلاف قوله :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
[ سورة الأعراف ، الآية : 179 ] فإن التسجيل بالغفلة والتشبيه بالبهائم شيء
شرح
وفسرها بعضهم بالمكرمة المتوارثة وقال : إنها إشارة إلى أنه تعالى أكرم بها آدم عليه الصلاة والسلام وخواص بنيه ، فكأنها انتقلت لهم إرثا وهو تكلف ، والمراد بالأثرتين تمكنهم من الهدى في الدنيا وفوزهم بالفلاح في العقبى مما دل عليه محمول القضيتين في النظم . يعني أنّ هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات يستحقون بذلك الاستقلال بالتمكن في الهدى والاستبداد بالفلاح والاختصاص بكل منهما ، ولو لم يعد أولئك لربما توهم أنّ الاستقلال بالمجموع لا بكل واحد منهما ، وإنما أفاد ذلك الاختصاص لدلالته على الصفات ، وأنه في المشتق كما مرّ فيفيد العلية لثبوتهما لهم والعلة لا تتخلف عن المعلول فيقتضي الاختصاص بهما والتميز . وفي الإشارة ما يغني عن الكلم . ومن غفل عن هذا قال : إنّ هذا الوجه إنما يستقيم إذا أفاد مجرّد تعريف المسند إليه التخصيص ليحصل في الجملة الأولى أيضا وهو مختلف فيه ، فكأنه تبع صاحب الكشاف في القول بالحصر في نحواللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ[ سورة الرعد ، الآية : 26 ] وقد تجعل أولئك الثانية إشارة إلى المتقين الموصوفين بكونهم على هدى من ربهم وبجعل الفلاح مترتبا على كونهم على تلك الهداية الواصلة إليهم من ربهم المترتبة على الأوصاف السابقة ، فلا تكرار حينئذ إلّا بحسب الظاهر ، وقد أشار قدّس سرّه إلى أنّ كلام الكشاف محتمل له فإنه قال : وفي تكرير أولئك تنبيه على أنهم كما ثبتت لهم الأثرة بالهدى فهي ثابتة لهم بالفلاح ، فإنّ الفاء في قوله : فهي تحتمل الزيادة ، والدلالة على أنّ الأثرة بالهدى سبب الأثرة الأخرى ، والمصنّف عدل عنه . وقوله : ( وأنّ إلخ ) كالعطف التفسيري ، وما ذكر هنا قريب من الإيماء إلى وجه بناء الخبر المذكور في المعاني في تعريف المسند إليه بالموصولية فتدبر . قوله : ( ووسط العاطف إلخ ) هذا جواب سؤال مقدّر يلوح به ما قبله من التكرير في المبتدأ أو كفاية كل من الأثرتين ، فإنه يوهم أنّ المقام يقتضي عدم العطف كما في الآية الأخرى يعني أنّ على هدى والمفلحون مع تناسبهما معنى مختلفان مفهوما ووجودا فإنّ الهدى في الدنيا والفلاح في العقبى ، وإثبات كل منهما على حدة أمر مقصود في نفسه ، فالجملتان المشتملتان عليهما المتحدتان في المخبر عنه بين كمال الاتصال والانفصال فلذا عطفت إحداهما على الأخرى ، وأمّا كالأنعام والغافلون ، وإن اختلفا مفهوما فقد اتحدا مقصودا إذ المراد بالتشبيه بالانعام المبالغة في الغفلة فالجملة الثانية مع مشاركتها للأولى في المحكوم عليه مؤكدة لها فلا مجال للعطف . ( فإن قلت ) إن أريد الاختلاف والاتحاد بحسب أصل المعنى وباعتبار اللوازم فلا فرق بينهما .
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 388 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي