تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
وذلك إنما يحصل باستفراغ الفكر ، وإدامة النظر فيما نصب من الحجج ، والمواظبة على محاسبة النفس في العمل ، ونكر هدى للتعظيم ، فكأنه أريد به خير لا يبلغ كنهه ، ولا
شرح
في رواية وهو المراد بكونه مصرحا به ، وقيل : امتطى استعارة تبعية شبه اتصافه بالجهل ، واستقراره عليه بامتطاء المطية ، واستعير لفظ المشبه به للمشبه ، فسرت الاستعارة إلى الفعل وذكر المفعول قرينة لها وفيه بحث إذ لا فرق حينئذ بينه وبين قولهعَلى هُدىًفي أن تشبيه الهدى والجهل ليس مقصودا فيهما ، فكيف يجعل مصرّحا به في أحدهما دون الآخر ، ولا يخفى أنّ دلالة الفعل على الحدث ، وهو الركوب والإمتطاء ليست كالحرف فتدبر ، وفي الكشف عدّ امتطىء الجهل تشبيها خطأ بين سواء كان معناه ركب مطاه فيكون كغارب الهوى ، وقد سلم فيه الاستعارة ، أو اتخذه مطية فيكون نظير قوله :قتل البخل وأحيا السماحانعم لو ذكر ترجمته كان تشبيها ومنه أتى على من أتى وقد نوّر هذا بأنّ معنى امتطى الجهل اتخذه مطية على سبيل الحقيقة دون التشبيه ، فلا بدّ من الاستعارة إذ لا يمكن تقدير الأداة . نعم إذا ذكرت الترجمة يمكن جعله تشبيها والتصريح بحسب الأصل لا يقتضي القصد بل مجرّد الظهور دون استبعاد ولا شك في أنّ تشبيهه الجهل بالمركب في هذا المثال أظهر من تشبيه الهدى به بحيث لا يخفى على أحد سواء اعتبر فيه الاستعارة بالكناية أو التبعية أو التشبيه بل نقول اسم الإشارة في قوله : صرّحوا بذلك إشارة إلى تشبيه حال المهتدي بحال الراكب ، فإنّ ذلك خفيّ يحتاج إلى النظر والتوضيح :وقد بقيت يا صاح في النفس حاجة * لعل بفضل اللّه يوما أقضيهاقوله ( وذلك إنما يحصل إلخ ) إشارة إلى التمكن والاستقرار المار أي لا يحصل إلّا بتكميل القوّتين النظرية والعلمية ، فاستفراغ الفكر ، وإدامة النظر إشارة إلى الأولى ومحاسبة النفس إلخ إشارة إلى الثانية ، وفي قوله استفراغ إيماء إلى تشبيه الذهن بقليب يستقى منه ، وتشبيه ما يفيده بماء عذب ومحاسبة النفس بجعلها كعامل أو وكيل واعمالها بمنزلة أموال عندها والعقل حاكم عليها يحاسبها ، وفيه لطف لا يخفى . قوله : ( ونكر هدى إلخ ) إنما أفاد التنكير التعظيم لما فيه من الإبهام الذي يفيده نحو الحاقة ما الحاقة لأنه في معنى هدى أيّ هدى أي هدى عظيم لعظمته لا تعرف حقيقته ومقداره ، وإليه أشار المصنّف بقوله خير وفي نسخة ضرب أي نوع منه وهو الصحيح الموافق لما في الكشاف . وقوله : ( لا يبلغ ) ببناء المجهول أي لا يدرك ، والكنه الحقيقة والنهاية كما في كتب اللغة أي لا يصل أحد إلى حقيقته أو نهايته ، ويقادر بضم الياء وفتح الدال المهملة مجهول من قادره بالقاف كضاربه ، وقدره بسكون الدال ويجوز فتحها أي لا يعرف مقداره ، وفي الأساس قدرت الشيء قدره وهذا شيء لا يقادر قدره ، وهو
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 385 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي