تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
بحال من اعتلى الشيء وركبه ، وقد صرحوا به في قولهم :
امتطى الجهل وغوى * واقتعد غارب الهوى
شرح
استعارة تبعية أصلا لاستلزامها لهذا التركيب ، والمراد بالاستعلاء العلو لا طلبه ، وهي قد اشتهرت بهذا المعنى وتمكنهم بمعنى ثباتهم ودوامهم ، فعطف الاستقرار عليه لتفسيره وتوضيحه . قوله : ( بحال من اعتلى الشيء إلخ ) فيه تسمح والأصل تمثيل حالهم في تمكنهم ، واستقرارهم بحال من اعتلى إلخ إن قلنا : إنّ التمثيل بمعناه المشهور أو تمثيل تمكنهم بالاعتلاء على المركوب إن كان التمثيل بمعنى مطلق التشبيه ، فالاستعارة تبعية على ما أسلفناه ، ووجه الشبه إيصاله إلى المقصد الأعظم في الدارين . قوله : ( وقد صرحوا به إلخ ) أي صرّحوا بالتمثيل ، فإنه استعارة لم يصرح فيها به وإن كانت مبنية عليه ، أو المراد صرّح فيه بالمركوب المرموز إليه في التبعية لأنّ معنى امتطى ركب كما سيأتي ، وقال قدّس سرّه : إنه لما ذكر استعارة على للتمسك بالهدى رام منه تشبيه الهدى ونظائره بالمركوب ، وقد يتبادر إلى الوهم أنه استعارة ، فأزاله بأنّ هذا التشبيه فيما ذكرناه ضمني غير مقصود من الكلام ، وقد صرّحوا به وجعلوه مقصودا في مواضع أخرى وعدل عن قوله في الكشف ، وفيه إشارة إلى أنّ التشبيه هنالك ضمني لأنّ الاستعلاء لازم الحرف لا نفس معناه لما فيه من الخفاء كما لا يخفى . قوله : ( امتطى الجهل وغوى ) هذا هو الصحيح وغوى فيه فعل ماض كنوى بمعنى ضل وفي بعض النسخ ، والغوى معرفا بالألف واللام ، وكأنها تحريف لأنّ الغوي كالهوى فساد الجوف فجعله بمعنى الغواية وإن كان له وجه تكلف ، والجهل هنا بمعنى البغي والتجاوز ، وهو أصله الشائع في كلام الفصحاء قال :ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهليناوورد أيضا فيما يقابل العلم كما هو المستعمل ، والتصريح بما ذكر إمّا في صورة التشبيه كقولهم : جعل الغواية مركبا ، فإنه في قوّة قولك الغواية مركب ، أي كالمركب وإمّا في صورة الاستعارة كقولهم اقتعد غارب الهوى إذ شبه فيه الهوى بالمطية على طريقة الاستعارة المكنية ، وخيل بإثبات الغارب ورشح بذكر الاقتعاد ، فإنه من اقتعد بمعنى ركب ، وهو في الأصل افتعال من القعود ، والغارب له كما في كتب اللغة معان ما بين السنام ، والعنق ومنه استعير حبلك على غاربك ومقدّم السنام ، وما يعلوه راكب البعير من مطلق الظهر ، وهو المراد المناسب هنا فمن فسّره بما قبله وقال : إنّ فيه إشارة إلى إشراف مرتكب الهوى على السقوط لم يصب ، وأمّا قولهم امتطى الجهل ، فإن جعل بمنزلة قولك ركب مطا الجهل كان استعارة بالكناية ، وإن جعل في قوّة قولك اتخذ الجهل مطية كان تشبيها ، وأيا ما كان فتشبيه الجهل بالمطية مقصود منه كما في قوله :إنّ الشباب مطية الجهل