شرح
فالسؤال المقدّر من المخاطب سؤال عن علمه ، ومعرفته أيضا من غير نسيان ولا امتحان كما لا يخفى على الفطرة السليمة ، أو يقال إنّ هذا السؤال يلوح به عرض الكلام من غير نظر لسائل معين ، والنظر لمثله تكلف يجرّ تكلفات أخرى ألا ترى أنّ ما في هذه الآية الكريمة لا يصح أن يقدّر السؤال فيها من رب الكلام ، وهو اللّه مسبب الأسباب العالم بسائر الخفيات ولا من الملقى إليه الكلام أوّلا ، وهو النبيّ عليه الصلاة والسلام ، والمؤمنون لعلمهم بأنه لا يسأل عما يفعله مع ظهور ذلك عندهم ، ومن عداهم لا يسلم الهداية من أصلها فلا يسئل عن سببها ، ولذا لم يعرج عليه المفسرون فتدبر ترشد . قوله : ( فإنّ اسم الإشارة ههنا إلخ ) في الكشاف وفي اسم الإشارة الذي هو أولئك إيذان بأن ما يرد عقيبه فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عدّدت لها كما قال حاتم :وللّه صعلوك مناه وهمهثم عدّد له خصالا فاضلة ، ثم عقب تعديدها بقوله :فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه * وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمماقال قدّس سرّه تبعا للشارح المحقق : قد توهم أنّ الإيذان المذكور مختص بما إذا وقع الاستئناف على أولئك ، والصواب أنه جار على الأوجه الثلاثة ، وذلك أنّ أسماء الإشارة حقها أن يشار بها إلى محسوس مشاهد ، أو إلى ما ينزل منزلته في تميزه وظهوره ، ولما كانت الصفات المجراة على المتقين مميزة لهم جاعلة إياهم كأنهم حاضرون مشاهدون وضع أولئك موضع الضمير إشارة إليهم من حيث أنهم موصوفون بها ، كأنه قيل : أولئك المتميزون بتلك الصفات ، فيكون الكلام من ترتب الحكم على الأوصاف المناسبة ، ومفيدا للعلية بخلاف الضمير ، فإنه راجع إلى الذات وليس فيه ملاحظة أوصافها ، فإن قلت قد تقدّم منك في قوله ليكون الخطاب أدل على أنّ العبادة له لذلك التميز ما يدل على أن في الضمير إيذانا في الجملة ، وسياق الكلام هنا ينافيه قلت : إذا حمل التنوين في إيذانا على التعظيم زالت المنافاة اه . وفي شرحه للمفتاح أنّ من اللطائف الداعية لأن يورد اسم الإشارة التنبيه على أنّ المشار إليه إنما استحق ما ذكر بعده لأجل الصفات السابقة إلّا أنه من إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر ، وقد قيل عليه أنه من لطائف كون المسند إليه اسم الإشارة لا من اللطائف الداعية إليه لأنّ الإيذان المذكور يحصل بالموصول أيضا ، ولذا لم يعدّه السكاكي من الدواعي وذكر في المثال المذكور داعيا آخر يعني كمال العناية بتمييزه وتعيينه لما اتصف به من المحامد هذا زبدة ما ذكروه .
وفيه بحث من وجوه :
( الأول ) إنّ ما ادّعوه من أنه جار على الأوجه الثلاثة ، وتخصيصه توهم غير ظاهر ، لأنه