تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
لا يوصف به علم الباري تعالى ، ولا العلوم الضررية ، والآخرة تأنيث الآخر صفة الدار بدليل قوله تعالى
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ
[ سورة القصص ، الآية : 83 ] فغلبت كالدنيا ، وعن نافع
شرح
الضروري فقد قال الإمام : لا يقال بيقين إنّ الكل أعظم من الجزء وذكره قدّس سرّه من غير نكر ، والمراد بالضروري البديهي الأوّلي فإنه قد يفسر به كما في شرح المطالع وإن كان الضروري يعمّ جميع اليقينيات وهي الحدسيات والمتواترات والمحسوسات الظاهرية والباطنية ، كالتجربيات والأوّليات ، وهي قضايا مجرّد تصوّر طرفيها كاف في الجزم بنسبتها ، والمراد بنفي الشك والشبهة بالاستدلال أن يكون قابلا لذلك في حال من الأحوال ، ولا يلزم كون ذلك بالفعل ، أو دائما فيدخل بعض المشاهدات إذ قد يرد عليها الشك ، فعين اليقين عين ما كان متيقنا فسقط ما مرّ من أنهم فسروا اليقين بالاعتقاد الجازم إلخ مما يشمل الضروري والمصنّف رحمه اللّه غير عبارة الكشاف ، فوقع فيما وقع إلّا أن يقال له معنيان وقد أيد هذا بأنه صرّح به في الإحياء حيث قال : اليقين مشترك بين معنيين . الأوّل عدم الشك ، فيطلق على كل ما لا شك فيه سواء حصل بنظر أو حس أو غريزة عقل أو بتواتر كوجود مكة أو دليل ، وهذا لا يتفاوت قوّة وضعفا . الثاني وهو ما صرّح به الفقهاء والصوفية وكثير من العلماء ، وهو ما لا ينظر فيه إلى التجويز والشك بل إلى غلبته على القلب حتى يقال فلان ضعيف اليقين بالموت ، وقويّ اليقين بإثبات الرزق ، فكل ما غلب على القلب ، واستولى عليه فهو يقين وتفاوت هذا قوّة وضعفا ظاهر ، ومما قيل عليه أيضا إنه مناف لما ذكره في تفسير قوله تعالىلَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ[ سورة التكاثر ، الآية : 7 ] أي الرؤية التي هي نفس اليقين ، فإنّ علم المشاهدة أعلى مراتب اليقين فجعل المشاهد المحسوس يقينا وهو من الضروريّ ، فناقض نفسه وليس بوارد أما على القول الآخر فظاهر ، وأما على ما اختاره هنا فيدفع أيضا بأنّ الشيء قبل رؤيته يكون يقينا ، فإذا شوهد وصار ضروريا انتقل إلى مرتبة من العلم أعلى من الأولى والمعلوم شيء واحد أحواله متعدّدة ، كأحوال الآخرة في الدنيا والآخرة غايته أنّ في قوله أعلى مراتب اليقين تسمحا على أنه بمعنى أعلى من جميع مراتب اليقين ، كيوسف أحسن اخوته وظنّ الفرق بين اليقين والإيقان وهم . قال الجوهريّ رحمه اللّه : اليقين والعلم وزوال الشك يقال منه يقنت الأمر بالكسر يقنا وأيقنت واستيقنت وتيقنت كلها بمعنى ، وما ذكره المصنّف رحمه اللّه مطابق له ولما في الكشاف فتدبر . قوله : ( والآخرة تأنيث الآخر ) أي الآخرة تأنيث آخر اسم فاعل من أخر الثلاثي بمعنى تأخر وإن لم يستعمل ويسمع من العرب كما أنّ الآخر بفتح الخاء اسم تفضيل منه ، والآخرة صفة في الأصل كالدنيا ، فإنها فعلى صفة أيضا من الدنوّ وهو القرب فغلبت على ما يقابل الآخرة قال الزمخشريّ : الغلبة تكون في الأسماء كالبيت على الكعبة والكتاب وفي الصفات كالرحمن ، وفي المعاني كالخوض بمعنى مطلق الشروع غلب على الشروع في الباطل