للموجود على ما لم يوجد ، وتنزيلا للمنتظر منزلة الواقع ونظيره قوله تعالى :
إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى
[ سورة الأحقاف ، الآية : 30 ] فإن الجنّ لم يسمعوا جميعه ولم يكن الكتاب كله منزلا حينئذ
ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
التوراة والإنجيل ، وسائر الكتب السابقة ،
شرح
والذهبية ، ومثله ليس من باب التغليب وادّعاء أنه بمعنى صدر الخلفاء من غير اعتبار تفصيل فيه مع ركاكته أقرب من هذا على أنهم كما في التلويح وغيره ، اشترطوا في إطلاق اسم الجزء على الكل أن يكون التركيب حقيقيا له اسم على حدة وأن يكون الكل يعدم بعدم ذلك الجزء حقيقة ، أو ادعاء كالرأس للإنسان والعين للربيئة ، وهذا ليس كذلك مع أنه لم يعهد تشبيه الجزء بالكل ، لما يلزمه من تشبيه الشيء بنفسه وهو كما قيل :وشاعر أوقد الطبع الذكيّ له * وشبه الماء بعد الجهد بالماءواستعارة الهيئة دون المادّة الذي أشار إليه بقوله بلا اعتبار لمادّته في الاستعارة التبعية فيه كلام في حواشي المطوّل ، وفي كلام الكشف إشارة إلى أنه يجوز أن يجعل من المشاكلة لوقوع غير المتحقق في صحبة المتحقق وإن ذكره بعضهم على أنه من بنات أفكاره إلّا أنه لا يصفو من الكدر ، ولو قيل : إنّ المراد به الماضي حقيقة ، ويدل على الإيمان بالمستقبل بدلالة النص كان أحسن من هذا كله . قوله : ( ونظيره قوله إلخ ) عدل عن قوله في الكشاف ، ويدل عليه قولهإِنَّا سَمِعْناإلخ فجعله دليلا لما ذكر من وجهي التعبير بصيغة المضيّ ، لأن إرادة مجموع الكتاب متبادرة عند الإطلاق خصوصا ، وقد قيد بكونه منزلا من بعد موسى صلّى اللّه عليه وسلّم لا بعضه ، ولا القدر المشترك بينه وبين كله ، وهو عبر عن إنزاله بلفظ المضيّ مع أنّ بعضه كان حينئذ مترقبا فوجب تأويله بأحد هذين التأويلين ، وأما سمعنا ففيه تغليب للمسموع على غيره مما لم يسمع في إيقاع السماع على أنّ الكتاب المراد به الكل مع أنه لم يسمع إلّا بعضه ، وإنما عدل المصنّف رحمه اللّه عما في الكشاف من جعل هذه الآية دليلا إلى جعلها نظيرا لأنه لا فرق بينهما في احتياج كل منهما إلى التأويل بل هذه أحوج له ، ولذا قال الفاضل في شرحه في قوله تعالىإِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ[ سورة الأحقاف ، الآية : 30 ] الآية إشكال قويّ ، فإنّ السماع لم يتعلق إلّا بما تحقق إنزاله بالحقيقة ، فكيف يكون سبيله سبيل ما ذكر في جعله غير المتحقق بمنزلة المتحقق غاية الأمر أنّ الكتاب اسم للمجموع فيجب أن يراد به البعض ، أو يحمل على المفهوم الكلي الصادق على الكل والبعض ، فوجب التأويل في هذه الآية أيضا ، ولم يمثل للتغليب بأنا ، وأنت فعلنا لما فيه من الإشكال أيضا وسيأتي تفسير هذه الآية في محلها وبيان قولهمِنْ بَعْدِ مُوسىمع أنه من بعد عيسى أيضا صلى اللّه عليهما وسلم . قوله : ( وبما أنزل من قبلك إلخ ) معطوف على قولهبِما أُنْزِلَ إِلَيْكَفي قوله والمرادبِما أُنْزِلَ إِلَيْكَإلخ ولم يذكر الشريعة هنا اكتفاء بما في ضمن الكتب ، وللإشارة إلى أنها منسوخة . وقوله بهما بضمير التثنية ، والمراد ما أنزل إليه وما أنزل من قبله ، وجملة بمعنى إجمالا وكونه فرض عين أي فرض على كل أحد بعينه ظاهر ، والمراد بالأوّل ما أنزل إليك والعلم به تفصيلا فرض كفاية