على هم تعريض بمن عداهم من أهل الكتاب ، وبان اعتقادهم في أمر الآخرة غير مطابق ، ولا صادر عن إيقان ، واليقين إتقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه نظرا واستدلالا ، ولذلك
شرح
تقديم الصلة وهي الجارّ والمجرور ، وهو يفيد تخصيص إيقانهم بالآخرة ، فإن قلت : هذا التقديم يفيد أنهم يؤمنون بالآخرة لا بغيرها وهو غير صحيح هنا ولا يفيد التعريض المراد .
قلت : المراد بغير الآخرة المنفيّ عنهم إيمانهم بالآخرة التي يزعمها أهل الكتاب ، فالمعنى أنّ إيقانهم مقصور على حقيقة الآخرة لا يتعدّاها إلى ما هو خلاف حقيقتها ففيه تعريض بأنّ ما عليه مقابلوهم ليس من حقيقة الآخرة في شيء كأنه قيل يوقنون بالآخرة لا بخلافها كبقية أهل الكتاب .
الثاني تقديم المسند إليه الذي أخبر عنه بجملة يوقنون ، وهو يفيد التخصيص ، وأنّ الإيقان بالآخرة منحصر فيهم لا يتجاوزهم إلى أهل الكتاب وفيه تعريض بأنّ اعتقادهم في الآخرة جهل محض وتخيل فارغ ، فإنّ الضمير المقدّم أو المزيد المنفيّ يأتي لإفادة الحصر وقد يأتي للتقوّي أيضا كما حقق في المعاني ففي النظم قصران ، وتعريضان لا قصر واحد كما قيل ، وتفصيل ردّه في شروح الكشاف والمراد بالبناء جعله خبرا لا خبرا مؤخرا ، كما قيل إلّا أن يراد بيان الواقع هنا ، فإنّ البناء كما مرّ يكون مقابل الإعراب وصوغ الكلمة والبنية والاخبار ، لأنّ المحمول كأنّه مبنيّ على الموضوع ، كما يشعر به تعبير المحمول والموضوع أيضا وما نقل هنا من أنه قال بناء يوقنون دون تقديم هم لأنّ التقديم يكون عن تأخير واعتباره ليس بلازم هنا نقض للبناء لأنه لو لم يقدر ذلك لم يفد الحصر المدّعي . وقوله : ( بمن عداهم إلخ ) توطئة لما عطف عليه ، وهو المقصود على نهج أعجبني زيد وكرمه وفيه لف ونشر مرتب لأنّ قوله غير مطابق ناظر إلى تقديم الصلة وقوله ولا صادر ناظر إلى بناء يوقنون وجوّز بعضهم فيه أن يكون نشرا على خلاف الترتيب . قوله : ( واليقين إتقان العلم إلخ ) قيل عليه : إنّ المذكور في كتب الأصول ، والكلام أنّ اليقين متناول للضروري فإنهم عرّفوا اليقين بالاعتقاد الجازم الثابت بحيث لا يزول بتشكيك مشكك المطابق للواقع وهو يشمله ، ويكفي في الإتقان عدم تطرق الشك والشبهة ، ولذا لم يعتبر صاحب الكشاف غيره إلّا أنّ المفسرين اختلفوا فيه فذهب الإمام الرازي والواحدي وجماعة وتبعهم المصنّف رحمه اللّه إلى أنه ما يكون عن نظر واستدلال فلا يوصف به الضروري ولا علم اللّه تعالى ، وذهب الإمام النسفي وبعض الأئمة إلى خلافه وقالوا : هو العلم الذي لا يحتمل النقيض مطلقا .
وقال الإمام القشيري في كتاب مقامات الصوفية : اليقين علم لا يتداخل صاحبه ريب على مطلق العرف ، ولا يطلق في وصف الحق سبحانه وتعالى لعدم التوقيف ا ه .
( أقول ) إذا كان فيه طريقان ومذهبان ، فكيف يعترض على إحدى الطريقتين بالأخرى وعدم إطلاقه على اللّه على الأوّل ظاهر ، وعلى الثاني لعدم التوقيف كما سمعته ، وأمّا