تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
شرح
والاستعارة المذكورين يتعلقان بصيغة أنزل وحدها بلا اعتبار لمادّته ، هذا ما حققه قدّس سرّه وقد تبع في هذا الشارح المحقق حيث قال : يرد على كلا الوجهين . أوّلا أنه جمع بين الحقيقة والمجاز ، ولا يتصوّر معنى مجازي يعمهما ليكون من عموم المجاز ، وأجاب بأنّ الجمع هو أن يراد باللفظ معناه الحقيقي والمجازي على أنّ كلا منهما مراد باللفظ ، وهنا أريد المعنى الذي بعض أجزائه من إفراد الحقيقة دون البعض . وثانيا إنّ وجوب اشتمال الإيمان على السالف والمترقب لا ينافي الإخبار عنهم في ذلك الوقت بأنهم يؤمنون بالفعل بالسالف إذ الإيمان بالمترقب إنما يكون عند تحققه ، وإن أريد الإيمان بأنّ كل ما نزل ، فهو حق فهذا حاصل الآن من غير حاجة إلى اعتبار تحقق نزوله ، وأجاب بأنه لما وجب ذلك وجب في مقام الإخبار عنهم بأنهم يؤمنون بكل ما يجب الإيمان به أن يتعرّض لذلك سيما ، ولفظ يؤمنون المضارع منبئ عن الاستمرار بلا اقتصار على المضيّ وهذا ظاهر إن أريد بالذين يؤمنون مطلق المؤمنين ، فإن أريد مؤمنو أهل الكتاب فلا يخلو عن تكلف ، وكأنّ وجه التكلف أنّ من آمن منهم الآن لا يعرف ما نزل ، حتى يتحقق عنده ويجب عليه الإيمان به تعيينا ، وقد خفي وجهه على الناظرين فوجهوه بما هو أشدّ تكلفا منه ، وكانوا فيه كمن فرّ من السحاب ، فوقف تحت الميزان فقيل إنّ وجهه أنّ إيمان أهل الكتاب بالسالف قد تحقق من قبل ، فلا يظهر فيه الاستمرار وعدم المضيّ وقيل وجهه أنّ بعض المؤمنين من أهل الكتاب لم يدرك جميع القرآن بل بعضه فلا يحسن أن يحكم بأنهم مؤمنون على الاستمرار التجدّدي بحسب تجدّد المنزل عليه ، وفيه أنّ مطلقهم يدركه كمطلق المؤمنين على الإطلاق ، وإن اعتبر الاستغراق لم يصح ذلك في الفريقين وقيل : إنه لا تتمشى حينئذ المقدّمة الخطابية ، لأن تمدّحهم بجمعهم بين الكتابين في الإيمان بكل واحد على الخصوص بخلاف سائر المؤمنين ، فلا تروج هذه المقدّمة ، ولا يخفى ضعفه لمن له أدنى تأمّل ، وفي الكشف فإن قلت : فهلا قيل ينزل ليطابق يؤمنون . قلت : لمطابقة ما أنزل من قبلك وللتنبيه على أنّ المترقب كائن لا محالة ولأنّ إيمانهم يتعلق بشيء قد أنزل بعضه ، وسينزل باقيه فلو قيل بما ينزل لم يشمل الماضي ، وفسد المعنى ، ولو ذكر ألم يطابق البلاغة القرآنية واختصاراتها . ( أقول ) هذا زبدة ما ذكره القوم ، وفيه أنّ التغليب باب واحد وما دفع به الشبهة لا يتأتى في مثل قولهم حكم العمران رضي اللّه عنهما بكذا ، فإنّ المقصود الإسناد إلى كل منهما استقلالا لا إلى المجموع من حيث هو حتى يكون كل منهما جزءا ملحوظا على وجه الإجمال ، وأمّا الجواب عنه بأنّ التجوّز في مثله في الفرد وليس في إطلاقه استقلال ، وإنما الاستقلال والتفصيل مستفاد من التثنية فلا يصح فإنه لو كان التجوّز في عمر فإن قيل إنه تجوز به عن الشيخين فلا يخفى بعده ، وإن قيل تجوز به عن أبي بكر يكون كتثنية العينين للباصرة