تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
يحفظه من اللوح المحفوظ ، فينزل به فيلقنه إلى الرسول والمراد
بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
القرآن بأسره ، والشريعة عن آخرها ، وإنما عبر عنه بلفظ المضيّ ، وإن كان بعضه مترقبا تغليبا
شرح
النظم المخصوص في جسم مخصوص ، فيتلقفه جبريل عليه السلام ويخلق له علما ضروريا بأنه هو العبارة المؤدّية لذلك المعنى القديم ا ه . وإنما عبر عنه بقوله ولعل وعادة المصنفين أن يعبروا به فيما اخترعوه للإشارة إلى أنه ليس بمأثور ، فلا ينبغي الجزم بأنه مراد اللّه تأدّبا منه ، وهذا دأبه فاحفظه ولذا ذهب بعض السلف إلى أنه من المتشابه أي يجزم بالنزول من غير معرفة بكيفيته ، وهو الحق إذ مثل هذا من التدقيقات الفلسفية لا ينبغي ذكره في التفسير ، كقول بعض الحكماء : إنّ نفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام زكية نقية فتقوى على الاتصال بالملأ الأعلى ، فينتقش فيها من الصور ما ينتقل إلى القوّة المتخيلة ، والحسن المشترك فيرى كالمشاهد وهو الوحي ، وربما يعلو فيسمع كلاما منظوما ، ويشبه أنّ نزول الكتب من هذا والتلقف بالقاف والفاء الأخذ بسرعة ويلقنه من التلقين ، وهو معروف وفي نسخة فيلقيه بالتحتيتين والروحاني بضم الراء ، وقد تفتح منسوب إلى الروح على خلاف القياس والمراد بكونه روحانيا أنه يلقى في قلبه من غير صوت ، وأورد عليه أنه غير صادق على ما نزل صحفا وألواحا ولا ضير فيه كما لا يخفى . قوله : ( والمراد بما أنزل إلخ ) معنى بأسره بجملته ، والأسر ما يشدّ به الأسير وإذا أعطي الأسير بقيده فقط أعطي بكليته ثم أريد به ذلك مطلقا . وقوله : ( عن آخرها ) بمعنى إلى آخرها وقد مرّ تحقيقه ، والمراد بجملته ما نزل ، وما سينزل سواء كان وحيا متلوّا أو لا لأنه المطابق لمقتضى الحال ، فإنه يلزم المؤمن أن يؤمن بما نزل ، وبأنّ كل ما سينزل حق وإن لم يجب تفصيله وتعيينه ، وهذا هو المناسب للهدى والفلاح فلا يقال إنه يصح حمله على ما أنزل قبل وقت الخطاب بلا تأويل لأنّ من آمن ببعضه مؤمن بكله لعدم القائل بالفارق ، وما قيل : من أنّ الإيمان بما سينزل ليس بواجب إلّا أنّ حمله على الجميع أكمل ، فلذا اقتصر عليه لا وجه له ، وأمّا كون الوحي ما هو خفيّ ، فالتغليب لازم على كل حال إلّا أن يلتزم أنه بواسطة ملك أيضا ، فبمعزل عما نحن فيه . قوله : ( وإنما عبر عنه بلفظ المضيّ إلخ ) لما تعين أنّ المنزل عليه المراد به جميعه لاقتضاء السياق ، والسياق له من ترتيب الهدى والفلاح الكاملين عليه ، ولوقوعه في مقابلة ما أنزل قبل ولدلالة يؤمنون على الاستمرار المقتضي له ، وكان جميعه لم ينزل وقت نزول هذه الآية وجهوه بوجهين الأوّل أنه تغليب لما وجد نزوله على ما لم يوجد ، وتحقيقه أنّ إنزال جميع القرآن معنى واحد يشتمل على ما حقه صيغة الماضي ، وما حقه الاستقبال فعبر عنهما معا بالماضي ، ولم يعكس تغليبا للموجود على ما لم يوجد فهو من قبيل إطلاق اسم الجزء على الكل ، والثاني تشبيه جميع المنزل بشيء نزل في تحقق النزول لأنّ بعضه نزل ، وبعضه منتظر سينزل قطعا ، فيصير إنزال مجموعه مشبها بإنزال ذلك الشيء الذي نزل ، فتستعار صيغة الماضي من إنزاله لإنزال المجموع ، فاضمحل بهذا ما توهم من لزوم الجمع بين الحقيقة والمجاز في كل واحد من الوجهين ، ولا يشتبه عليك أنّ المجاز المرسل ،